تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون

[الأعراف: 95]. وقوله تعالى

أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون

[المؤمنون: 55-56] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.

وقرأ هذا الحرف أبو عمرو وحده من السبعة وأملي لهم بضم الهمزة وكسر اللام بعدها ياء مفتوحة بصيغة الماضي المبني للمفعول والفاعل المحذوف فيه الوجهان المذكوران آنفا في فاعل، وأملي لهم على قراءة الجمهور بالبناء للفاعل.

وقد ذكرنا قريبا ما يشهد لكل منهما من القرآن كقوله تعالى في إملاء الشيطان لهم

يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا

[النساء: 120] وقوله في إملاء الله لهم:

وأملي لهم إن كيدي متين

[الأعراف: 183] كما تقدم قريبا، والإشارة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ راجعة إلى قوله تعالى، ﴿ الشيطان سول لهم وأملى لهم ﴾.

أي ذلك التسويل والإملاء المفضي إلى الكفر بسبب أنهم ﴿ قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر ﴾.

وظاهر الآية يدل على أن بعض الأمر الذي قالوا لهم سنطيعكم فيه مما نزل الله وكرهه أولئك المطاعون.

والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نزل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك

فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم

[محمد: 27-28].

وقد قدمنا ما يوضح ذلك من القرآن في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى:

وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله

[الشورى: 10] وفي مواضع عديدة من هذا الكتاب المبارك.

وبينا في سورة الشورى أيضا شدة كراهة الكفار لما نزل الله، وبينا ذلك بالآيات القرآنية في الكلام على قوله تعالى

كبر على المشركين ما تدعوهم إليه

[الشورى: 13].

وقد قدمنا مرارا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة والله يعلم ﴿ إسرارهم ﴾ قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة عن عاصم أسرارهم بفتح الهمزة جمع سر.

وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم إسرارهم بكسر الهمزة مصدر أسر كقوله:

وأسررت لهم إسرارا

[نوح: 9] وقد قالوا لهم ذلك سرا فأفشاه الله للعالم بكل ما يسرون وما يعلنون.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ أي: فكيف يكون حال هؤلاء إذا توفتهم الملائكة؟

أي قبض ملك الموت وأعوانه أرواحهم في حال كونهم ضاربين وجوههم وأدبارهم.

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الملائكة، يتوفون الكفار وهم يضربون وجوههم وأدبارهم جاء موضحا في موضع أخر من كتاب الله كقوله تعالى في الأنفال:

ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم

[الأنفال: 50] وقوله في الأنعام:

ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون

[الأنعام: 93] الآية.

فقوله: ﴿ باسطوا أيديهم ﴾ أي بالضرب المذكور.

والإشارة في قوله ﴿ ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله ﴾ راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي أعني قوله ﴿ يضربون وجوههم ﴾.

أي ذلك الضرب وقت الموت واقع بسبب ﴿ بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله ﴾ أي أغضبه من الكفر به، وطاعة الكفار الكارهين لما نزله.

والإسخاط استجلاب السخط، وهو الغضب هنا.

وقوله: وكرهوا رضوانه لأن من أطاع من كره ما نزل الله فقد كره رضوان الله.

لأن رضوانه تعالى ليس إلا في العمل بما نزل، فاستلزمت كراهة ما نزل، كراهة رضوانه لأن رضوانه فيما نزل، ومن أطاع كارهه، فهو ككارهه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٨١