ومعلوم أن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب كما بيناه مرارا، وأوضحنا أدلته من السنة الصحيحة.
ومما يوضح هذا أن المقلد الذي يقول: هذا حلال وهذا حرام من غير علم بأن الله حرمه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم يقول على الله بغير علم قطعا.
فهو داخل بلا شك في عموم قوله تعالى:
قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون
[الأعراف: 33].
فدخوله في قوله: ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ كما ترى.
وهو داخل أيضا في عموم قوله تعالى:
إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون
[البقرة: 169].
وأما السنة، فقد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن سفيان.
ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان قال: أملاه علينا إملاء.
ح وحدثني عبد الله بن هاشم واللفظ له حدثني عبد الرحمن يعني ابن مهدي حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال:
" كان رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: " اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله "
الحديث.
وفيه
" وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري، أتصيب حكم الله فيهم أم لا "
هذا لفظ مسلم في صحيحه.
وفيه النهي الصريح من النبي صلى الله عليه وسلم عن نسبة حكم إلى الله، حتى يعلم بأن هذا حكم الله الذي شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولأجل هذا كان أهل العلم لا يتجرؤون على القول بالتحريم والتحليل إلا بنص من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه:
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا يوسف بن عدي قال حدثنا عبيدة بن حميد عن عطاء بن السائب قال: قال الربيع بن خيثم:
إياكم أن يقول الرجل في شيء إن الله حرم هذا أو نهى عنه فيقول الله: كذبت لم أحرمه ولم أنه عنه.
قال أو يقول:
إن الله أحل هذا وأمر به، فيقول: كذبت لم أحله ولم آمر به.
وذكر ابن وهب وعتيق بن يعقوب أنهما سمعا مالك بن أنس يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدا اقتدى به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام.
ما كانوا يجترئون على ذلك.
وإنما كانوا يقولون: نكره هذا.
ونرى هذا حسنا.
ونتقي هذا، ولا نرى هذا.
وزاد عتيق بن يعقوب، ولا يقولون حلال ولا حرام.
أما سمعت قول الله عز وجل:
قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون
[يونس: 59].
الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله: قال أبو عمر: معنى قول مالك هذا إن ما أخذ من العلم رأيا واستحسانا لم نقل فيه حلال ولا حرام والله اعلم. اه. محل الغرض منه.
وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسيره، في الكلام على قوله تعالى:
ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام
[النحل: 116] الآية، ما نصه:
أسند الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا هارون عن حفص عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم قط يقول: حلال ولا حرام ولكن كان يقول: كانوا يكرهون وكانوا يستحبون.
وقال ابن وهب:
قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام.
ولكن يقولون: إياكم وكذا وكذا. ولم أكن لأصنع هذا.
ومعنى هذا أن التحليل والتحريم إنما هو لله عز وجل ليس لأحد أن يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يكون البارئ تعالى بذلك عنه.