تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اه. محل الغرض منه بلفظه.

ومن المعلوم بالضرورة أن مالكا رحمه الله لا يسره ولا يرضيه تقديم رأيه هذا الذي يسترجع ويبكي ندما عليه، ويتمنى لو ضرب بالسياط ولم يكن صدر منه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فليتق الله وليستحي من الله من يقدم مثل هذا الرأي على الكتاب والسنة زاعما أنه متبع مالكا في ذلك.

وهو مخالف فيه لمالك، ومخالف فيه لله ولرسوله، ولأصحابه ولكل من يعتد به من أهل العلم.

وقال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين:

وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة.

فقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة، كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري، ذكره البيهقي.

وقال إسماعيل بن عيسى المزني في أول مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله لأقربه على من أراده مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه، ويحتاط فيه لنفسه إلى أن قال:

وقال أحمد بن حنبل: لا تقلدني، ولا تقلد مالكا، ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا.

وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال.

وقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا.

وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب، فكيف بمن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله اه محله الغرض منه.

ومما لا شك فيه أن الأئمة الأربعة رحمهم الله نهوا عن تقليدهم في كل ما خالف كتابا أو سنة كما نقله عنهم أصحابهم.

كما هو مقرر في كتب الحنفية عن أبي حنيفة.

وكتب الشافعية عن الشافعي القائل: إذا صح الحديث فهو مذهبي.

وكتب المالكية، والحنابلة عن مالك وأحمد رحمهم الله جميعا.

وكذلك كان غيرهم من أفاضل العلماء يمنعون من تقليدهم فيما لم يوافق الكتاب والسنة وقد يتحفظون منه ولا يرضون.

قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه:

وذكر محمد بن حارث في أخبار سحنون بن سعيد عن سحنون، قال كان مالك بن أنس وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما.

وإذا سأله محمد بن إبراهيم بن دينار وذووه لم يجبهما.

فقال له:

يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما، وأسألك أنا وذوي فلا تجيبا؟

فقال:

أوقع ذلك يا ابن أخي في قلبك؟

قال: نعم: فقال له:

إني قد كبرت سني ورق عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني.

ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان، إذا سمعا مني حقا قبلاه، وإذا سمعا خطأ تركاه.

وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه.

قال محمد بن حارث: هذا والله هو الدين الكامل، والعقل الراجح.

لا كمن يأتي بالهذيان، ويريد أن ينزل من القلوب منزلة القرآن. اه منه.

التنبيه الثالث

اعلم أن المقلدين للأئمة هذا التقليد الأعمى قد دل كتاب الله، وسنة رسوله، وإجماع من يعتد به من أهل العلم، أنه لا يجوز لأحد منهم أن يقول: هذا حلال وهذا حرام.

لأن الحلال ما أحله الله، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه أو سنة رسوله، والحرام ما حرمه الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه، أو سنة رسوله.

ولا يجوز ألبتة للمقلد أن يزيد على قوله: هذا الحكم قاله الإمام الذي قلدته أو أفتى به.

أما دلالة القرآن على منع ذلك فقد قال تعالى:

قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون

[يونس: 59] وقال تعالى:

ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون

[النحل: 116]. وقال تعالى:

قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا

[الأنعام: 150] الآية.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٦٤