تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما يؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول:

إني أكره كذا.

وكذلك كان مالك يفعل اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى اه. محل الغرض منه.

وإذا كان مالك وإبراهيم النخعي وغيرهما من أكابر أهل العلم لا يتجرؤون أن يقولوا في شيء من مسائل الاجتهاد والرأي: هذا حلال أو حرام.

فما ظنك بغيرهم من المقلدين الذين لم يستضيئوا بشيء من نور الوحي؟

فتجرؤهم على التحريم والتحليل بلا مستند من الكتاب إنما نشأ لهم من الجهل بكتاب الله وسنة رسوله، وآثار السلف الصالح.

وآية يونس المتقدمة صريحة فيما ذكرنا صراحة تغني عن كل ما سواها.

لأنه تعالى لما قال:

فجعلتم منه حراما وحلالا

[يونس: 59] أتبع ذلك بقوله

قل ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون

[يونس: 59].

ولم يجعل واسطة بين إذنه في ذلك وبين الافتراء عليه.

فمن كان عنده إذن من الله بتحريم هذا أو تحليله فليعتمد على إذن الله في ذلك.

ومن لم يكن عنده إذن من الله في ذلك فليحذر من الافتراء على الله.

إذ لا واسطة بن الأمرين.

ومعلوم أن العبرة بعموم لفظ الآية لا بخصوص سببها.

فالذين يقولون من الجهلة المقلدين: هذا حلال وهذا حرام، وهذا حكم الله، ظنا منهم أن أقوال الإمام الذي قلدوه تقوم مقام الكتاب والسنة وتغني عنهما.

وأن ترك الكتاب والسنة والاكتفاء بأقوال من قلدوه أسلم لدينه أعمتهم ظلمات الجهل المتراكمة عن الحقائق حتى صاروا يقولون هذا.

فهم كما ترى، مع أن الإمام الذي قلدوه، ما كان يتجرأ على مثل الذي تجرؤوا عليه، لأن علمه يمنعه من ذلك.

والله جل وعلا يقول:

قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب

[الزمر: 9].

التنبيه الرابع

اعلم أن مما لا بد منه معرفة، الفرق بين الاتباع والتقليد، وأن محل الاتباع لا يجوز التقليد فيه بحال.

وإيضاح ذلك، أن كل حكم ظهر دليله من كتاب الله، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، او إجماع المسلمين، لا يجوز فيه التقليد بحال.

لأن كل اجتهاد يخالف النص، فهو اجتهاد باطل، ولا تقليد إلا في محل الاجتهاد.

لأن نصوص الكتاب والسنة، حاكمة على كل المجتهدين، فليس لأحد منهم مخالفتها كائنا من كان.

ولا يجوز التقليد فيما خالف كتابا أو سنة أو إجماعا إذ لا أسوة في غير الحق.

فليس فيما دلت عليه النصوص إلا الاتباع فقط.

ولا اجتهاد، ولا تقليد فيما دل عليه نص، من كتاب أو سنة، سالم من المعارض.

والفرق بين التقليد والاتباع أمر معروف عند أهل العلم، لا يكاد ينازع في صحة معناه أحد من أهل العلم.

وقد قدمنا كلام ابن خويز منداد الذي نقله عنه ابن عبد البر في جامعه.

وهو قوله: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة والاتباع ما ثبت عليه حجة.

وقال في موضع آخر من كتابه:

كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح.

وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع. اه.

وقال ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين:

وقد فرق الإمام أحمد رحمه الله بين التقليد والاتباع.

فقال أبو داود:

سمعته يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، ثم هو من بعد في التابعين مخير. انتهى محل الغرض منه.

قال مقيده عفا الله عنه، وغفر له: أما كون العمل بالوحي اتباعا لا تقليدا فهو أمر قطعي.

والآيات الدالة على تسميته اتباعا كثيرة جدا:

كقوله تعالى:

اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء قليلا ما تذكرون

[الأعراف: 3].

وقوله تعالى:

واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم

[الزمر: 55] الآية.

وقوله تعالى:

قل إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصآئر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون

[الأعراف: 203].

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٦٦