تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يترك الحديث لشيء يظنه أرجح منه، ويكون الواقع أن الحديث أرجح من ذلك الشيء الذي ظنه لقيام أدلة أخرى على ذلك لم يطلع عليها، إلى أسباب أخر كثيرة، كترك الأئمة للعمل ببعض النصوص.

وبهذا كله تعلم أن ظن اطلاع الإمام على كل شيء من أحكام الشرع وإصابته في معانيها كلها ظن باطل.

وكل واحد من الأئمة يصرح ببطلان هذا الظن كما سترى إيضاحه إن شاء الله.

فاللازم هو ما قاله الأئمة أنفسهم رحمهم الله من أنهم قد يخطئون ونهوا عن اتباعهم في كل شيء يخالف نصا من كتاب أو سنة.

فالمتبع لهم حقيقة، هو من لا يقدم على كتاب الله وسنة رسوله شيئا.

أما الذي يقدم أقوال الرجال على الكتاب وصحيح السنة، فهو مخالف لهم لا متبع لهم.

ودعواه اتباعهم كذب محض.

وأما القضية الثانية:

فهي ظن المقلدين أن لهم مثل ما للإمام من العذر في الخطأ.

وإيضاحه: أنهم يظنون أن الإمام لو أخطأ في بعض الأحكام وقلدوه في ذلك الخطأ يكون لهم من العذر في الخطأ والأجر مثل ما لذلك الإمام الذي قلدوه.

لأنهم متبعون له فيجري عليهم ما جرى عليه.

وهذا ظن كاذب باطل بلا شك.

لأن الإمام الذي قلدوه بذلك جهده في تعلم كتاب الله وسنة رسوله وأقوال أصحابه وفتاويهم.

فقد شمر وما قصر فيما يلزم من تعلم الوحي والعمل به وطاعة الله على ضوء الوحي المنزل.

ومن كان هذا شأنه فهو جدير بالعذر في خطئه والأجر في اجتهاده.

وأما مقلدوه فقد تركوا النظر في كتاب الله وسنة رسوله وأعرضوا عن تعلمهما إعراضا كليا مع يسره وسهولته ونزلوا أقوال الرجال الذين يخطئون ويصيبون منزلة الوحي المنزل من الله.

فأين هؤلاء من الأئمة الذين قلدوهم؟

وهذا الفرق العظيم بينهم، وبينهم، يدل دلالة واضحة، على أنهم ليسوا مأجورين في الخطأ في تقليد أعمى إذ لا اقتداء ولا أسوة في غير الحق.

وليسوا معذورين لأنهم تركوا ما يلزمهم تعلمه من أمر الله ونهيه على ضوء وحيه المنزل.

والذي يجب عليهم من تعلم ذلك، هو ما تدعوهم الحاجة للعمل به، كأحكام عباداتهم ومعاملاتهم.

وأغلب ذلك تدل عليه نصوص واضحة، سهلة التناول من الكتاب والسنة.

والحاصل أن المعرض عن كتاب الله، وسنة رسوله المفرط في تعلم دينه، مما أنزل الله، وما سنه رسوله، المقدم كلام الناس على كتاب الله، وسنة رسوله، لا يكون له ألبتة ما للإمام الذي لم يعرض عن كتاب الله وسنة رسوله، ولم يقدم عليهما شيئا ولم يفرط في تعلم الأمر والنهي من الكتاب والسنة.

فأين هذا من هذا؟

سارت مشرقة وسرت مغربا

شتان بين مشرق ومغرب

التنبيه الثاني

اعلم أن الأئمة الأربعة رحمهم الله، متفقون على منع تقليدهم، التقليد الأعمى الذي يتعصب له من يدعون أنهم أتباعهم.

ولو كانوا أتباعهم حقا لما خالفوهم في تقليدهم الذي منعوا منه ونهوا عنه.

قال الإمام أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه:

أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد القاضي المالكي، قال حدثنا موسى بن إسحاق، قال حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال حدثنا معن بن عيسى، قال سمعت مالك بن أنس يقول: إنما أنا بشر أخطىء وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. اه. محل الغرض منه بلفظه.

فمالك رحمه الله مع علمه وجلالته وفضله يعترف بالخطأ وينهى عن القول بما خالف الوحي من رأيه.

فمن كان مالكيا فليمتثل قول مالك ولا يخالفه بلا مستند.

وقال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه أيضا:

أخبرني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي حدثني أبي حدثنا محمد بن عمر بن لبابة قال: حدثنا مالك بن علي القرشي، قال أنبأنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال:

دخلت على مالك فوجدته باكيا فسلمت عليه فرد علي ثم سكت عني يبكي، فقلت له:

يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي يا ابن قعنب إنا لله على ما فرط مني، ليتني جلدت بكل كلمة تكلمت بها في هذا الأمر بسوط، ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي، وهذه المسائل قد كانت لي سعة فيما سبقت إليه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٦٣