[البقرة: 234].
وقد رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فتواه مبينا أن عموم قوله تعالى:
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا
[البقرة: 234]. الآية، مخصص بقوله تعالى:
وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن
[الطلاق: 4].
وكإنكاره صلى الله عليه وسلم على الذين أفتوا صاحب الشجة بأنهم لم يجدوا له رخصة وهو يقدر على الماء.
وقد قدمنا قصته، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيهم:
" قتلوه قتلهم الله "
الحديث.
والظاهر أنهم استندوا في فتواهم لما فهموه من قوله تعالى
فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا
[النساء: 43]. وغفلوا عن قوله:
وإن كنتم مرضى
[النساء: 43] الآية، وأمثال هذا كثيرة.
وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى:
فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون
[التوبة: 122] قائلين إن الآية أوجبت قبول إنذارهم، وأن ذلك تقليد لهم، فهو ظاهر السقوط أيضا.
لأن الإنذار في قوله: ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ لا يكون برأي.
وإنما يكون بالوحي خاصة، وقد حصر تعالى الإنذار في الوحي بأداة الحصر التي هي إنما في قوله:
قل إنمآ أنذركم بالوحي
[الأنبياء: 45].
وبه تعلم أن الإنذار لا يقوم إلا بالحجة فمن لم تقم عليه الحجة، لم يكن قد أنذر، كما أن النذير من أقام الحجة، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير.
فمما لا شك فيه أن هذا الإنذار المذكور في قوله ﴿ ولينذروا ﴾ ، والتحذير من مخالفته في قوله: ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ ليس برأي ولا اجتهاد.
وإنما هو إنذار بالوحي ممن تفقه في الدين، وصار ينذر بما علمه من الدين، كما يدل عليه قوله تعالى قبله
ليتفقهوا فى الدين
[التوبة: 122]، فهو يدل على أن قوله
ولينذروا قومهم
[التوبة: 122] أي بما تفقهوا فيه من الدين.
وليس التفقه في الدين إلا علم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فتبين أن الآية لا دليل فيها ألبتة لطائفة التقليد، الذين يوجبون تقليد إمام بعينه، من غير أن يرد من أقواله شيء، ولا يؤخذ من أقوال غيره شيء.
ونجعل أقواله عيارا لكتاب الله وسنة رسوله فما وافق أقواله منها قبل وما لم يوافقها منها رد.
وهذا النوع من التقليد لا شك في بطلانه، وعدم جوازه.
فالآية الكريمة بعيدة كل البعد من الدلالة عليه، مع أن استدلال المقلدين بها على تقليدهم استدلال بشيء يعتقدون أن الاستدلال به ممنوع باتا، لأنه استدلال بقرآن.
وأما قبول إنذارهم فهو من الاتباع لا من التقليد، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله.
وأما استدلالهم بأن ابن الزبير، قال ما يدل على تقليده لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في أن الجد يحجب الإخوة، فهو ظاهر السقوط أيضا.
وقد قدمنا مرارا في رد استدلالهم بتقليد الصحابة بعضهم بعضا ما يكفي فأغنى عن إعادته هنا.
وأما استدلالهم بقبول شهادة الشاهد في الحقوق. قائلين: إن قبول شهادته فيما شهد به تقليد له، فهو ظاهر السقوط لظهور الفرق بينه وبين ما استدلوا عليه به. من تقليد رجل واحد بعينه، بحيث لا يترك من أقواله شيء ولا يؤخذ مما خالفها شيء، ولو كان كتابا أو سنة.
وذلك من وجهين.
أحدهما: أن العمل بشهادة الشاهد أخذ بكتاب الله وسنة رسوله، لأن الله يقول:
وأشهدوا ذوي عدل منكم
[الطلاق: 2] ويقول:
واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء
[البقرة: 282] إلى غير ذلك من الآيات.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم القضاء بالشاهد واليمين في الأموال.
وفي الحديث
" شاهداك أو يمينه "
وهو حديث صحيح.
فالأخذ بشهادة الشاهد إذا من العمل بكتاب الله وسنة رسوله لا من التقليد لرجل واحد بعينه تقليدا أعمى.
الوجه الثاني: أن الشاهد إنما يخبر عما أدركه بإحدى حواسه والمدرك بالحاسة يحصل به القطع لمن أدركه بخلاف الرأي، فإن صاحبه لا يقطع بصحة ما ظهر له من الرأي.