" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين "
الحديث.
وأما استدلالهم، بأن عمر كتب إلى شريح:
أن اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يكن في سنة رسول الله، فيما قضى به الصالحون فهو حجة عليهم أيضا لا لهم.
لأن فيه تقديم كتاب الله، ثم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم العمل بما قضى به الصالحون، وخيرهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولو كان المقلدون يمتثلون هذا، لما أنكر عليهم أهل العلم، ولكن المقلدين المحتجين بهذا يمنعون العمل بكتاب الله وسنة رسوله، والعمل بفتاوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويوجبون الجمود على قول الإمام الذي قلدوه والتزموا بمذهبه.
ومن كانت هذه حاله، فلا يحق له أن يستدل بشيء من هذه الأدلة.
وأما استدلالهم بأن عمر رضي الله عنه منع بيع أمهات الأولاد فتبعه الصحابة.
وألزم الطلاق الثلاث بكلمة واحد وتبعه الصحابة.
فهو ظاهر السقوط أيضا.
وقد قدمنا أن متابعة بعض الصحابة لبعض إنما هي لاتفاقهم فيما رأوه، لا لأن بعضه مقلد بعضا تقليدا أعمى.
وقد قدمنا إيضاح ذلك بما يكفي.
مع أن المقلدين المحتجين بهذا يمنعون تقليد عمر، وسائر الصحابة، فمن عجائبهم أنهم يستدلون بما يعتقدون أن العمل به ممنوع.
وأما استدلالهم بأن عمرو بن العاص قال لعمر لما احتلم: خذ ثوبا غير ثوبك، فقال لو فعلت صارت سنة. فهو ظاهر السقوط أيضا.
لأن عمر بن الخطاب خاف أن يفعل شيئا فيعتقد من لا علم عنده أنه إنما فعله لكونه سنة، فامتنع من فعله لأجل هذا المحذور.
مع أن المقلد يرى منع تقليد عمر رضي الله عنه.
وأما استدلالهم بما ذكروه عن أبي وغيره أنه قال:
ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه، فهو حجة عليهم أيضا لا لهم.
لأن قوله: ما استبان لك فاعمل به، صريح في أن ما استبان من كتاب الله وسنة رسوله، يجب العمل بله ولا يجوز العدول عنه لقول أحد.
وهذا نقيض ما عليه المقلدون، فهم دائما يستدلون على مذهبهم بما يناقضه.
والأظهر أن مراد أبي بن كعب بقوله: فكله إلى عالمه، أي فكل علمه إلى الله.
فمراده بما اشتبه المتشابه، ومراده بعالمه الله.
فهو يشير إلى قوله تعالى:
فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا
[آل عمران: 7].
فالذين قالوا آمنا به كل من عند ربنا، فقد وكلوا ما اشتبه عليهم إلى عالمه وهو الله.
ويحتمل أن يكون مراد أبي بقوله: فكله إلى عالمه أي فكله إلى من هو أعلم به منك من العلماء.
وهذا هو الذي فهمه ابن القيم في إعلام الموقعين من كلام أبي.
وعلى هذا الاحتمال فلا حجة فيه أيضا للمقلدين لأن من خفي عليه شيء من العلم فوكله إلى من هو أعلم به منه، فقد أصاب.
ولا يلزم من ذلك الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله بل هو عمل بالقرآن لقوله تعالى:
ولا تقف ما ليس لك به علم
[الإسراء: 36].
وأما استدلالهم على تقليدهم بأن الصحابة كانوا يفتون ورسول الله صلى الله عليه وسلم موجود بين أظهرهم، وأن ذلك تقليد لهم فهو ظاهر السقوط أيضا.
لأنهم ما كانوا يفتونهم في حالة وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم إلا بما علمهم من الكتاب والسنة كما لا يخفى.
ومن أفتى منهم وغلط في فتواه أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم فتواه التي ليست مطابقة للحق، وردها عليه كإنكاره على أبي السنابل بن بعكك قوله لسبيعة الأسلمية لما مات زوجها ووضعت حملها بعد ذلك بأيام:
" إنها لا تنقضي عدتها إلى بعد أربعة أشهر وعشر ليال ".
وقد استدل أبو السنابل على ما أفتى به بعموم قوله تعالى:
والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا