تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذا أجمع العلماء على الفرق بين خبر التواتر المستند إلى حس، وبين خبر التواتر المستند إلى عقل.

فأجمعوا على أن الأول يوجب العلم المفيد للقطع لاستناده إلى الحس.

وأن الثاني لا يوجبه، ولو كان خبر التواتر يفيد العلم في المعقولات لكان قدم العالم مقطوعا به.

لأنه تواتر عليه من الفلاسفة خلق لا يحصيهم إلا الله.

مع أن حدوث العالم أمر قطعي لا شك فيه.

فالذين تواتروا من الفلاسفة على قدم العالم الذي هو من المعقولات لا من المحسوسات لو تواتر عشرهم على أمر محسوس لأفاد العلم اليقيني فيه.

فالشاهد إن أخبر عن محسوس، وكان عدلا، فهو عدل مخبر عما قطع به قطعا لا يتطرق إليه الشك بخلاف المجتهد، فإنه عدل أخبر عما ظنه، فوضوح الفرق بين الأمرين كما ترى.

وأما استدلالهم على تقليدهم بقبول قول القائف والخارص والمقوم والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد.

وتقليد الأعمى في القبلة.

وتقليد المؤذنين في الوقت والمترجمين والمعرفين، والمعدلين، والمجرحين.

وتقليده المرأة في طهرها، فهو كله ظاهر السقوط أيضا.

لأن جميع ذلك لا يقبل منه إلا ما قام عليه دليل من كتاب أو سنة.

فالعمل به من العمل بالدليل الشرعي لا من التقليد الأعمى.

وذلك كله من قبيل الشهادة، والإخبار بما عرفه القائف والخارص إلى آخره، لا من قبيل الفتوى في الدين.

وقد استدل العلماء على قبول قول القائف بسرور النبي صلى الله عليه وسلم من قول مجزز بن الأعور المدلجي في أسامة وزيد

" هذه الأقدام بعضها من بعض "

فلو كان قول القائف: لا يقبل لما أقره النبي صلى الله عليه وسلم.

ولما برقت أسارير وجهه سرورا به.

فقبوله لذلك، فهو اتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد قدمنا الأحاديث النبوية الدالة على قبول قول الخارص، وبينا أن بعضها ثابت في الصحيح. ورد قول من منع ذلك في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى:

وآتوا حقه يوم حصاده

[الأنعام: 141].

فهذا مثال ما ثبت بالسنة من قبول قول المذكورين.

ومثال ما دل عليه القرآن من ذلك قبول قول الحكمين في المثل في جزاء الصيد، لأن الله نص عليه في قوله تعالى

فجزآء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم

[المائدة: 95] الآية.

وهكذا كل من ذكروا، فإن قبول قولهم: إنما صح بدليل شرعي يدل على قبوله من كتاب أو سنة أو إجماع.

مع أن الإخبار عن جميع ما ذكر إخبار عن محسوس، والتقليد الذي استدلوا به عليه إخبار عن معقول مظنون.

والفرق بين الأمرين قدمناه قريبا، فليس شيء من ذلك تقليدا أعمى بدون حجة.

وأما استدلالهم على التقليد المذكور بجواز شراء اللحوم والثياب والأطعمة وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها اكتفاء بتقليد أربابها.

فهو ظاهر السقوط أيضا.

لأن الاكتفاء بقول الذابح والبائع ليس بتقليد أعمى في حكم ديني لهما.

وإنما هو عمل بالأدلة الشرعية، لأنها دلت على أن ما في أسواق المسلمين من اللحوم والسلع محمول على الجواز والصحة، حتى يظهر ما يخالف ذلك.

ومما يدل على ذلك، ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث

" عائشة رضي الله عنها قالت " إن قوما قالوا يا رسول الله: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: " سموا عليه أنتم وكلوا، قال: وكانوا حديثي عهد بالكفر "

قال المجد في المنتقى بعد أن ساق الحديث: رواه البخاي والنسائي وابن ماجه، وهو دليل على أن التصرفات والأفعال تحمل على حال الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل الفساد. اه منه.

وقد أجمع العلماء على هذا، فالعمل به عمل بالدليل الشرعي.

لأن الله لو كلف الناس ألا يشتري أحد منهم شيئا حتى يعلم حليته لوقعوا في حرج عظيم تتعطل به المعيشة، ويختل به نظامها.

فأجاز الله تعالى ذلك برفع الحرج كما قال تعالى

وما جعل عليكم في الدين من حرج

[الحج: 78] فالاستدلال به على التقليد الأعمى فاسد، لأنه اخذ بالحجة والدليل، وليس من التقليد.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٦٠