تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خلقت بيدي

[ص: 75]. وكما قال:

بل يداه مبسوطتان

[المائدة: 64] إلى أن قال في كلامه هذا، بعد أن سرد مذهب أهل السنة والجماعة. ما نصه:

فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبه نستعين، وعيله نتوكل وإليه المصير، هذا لفظ أبي الحسن الأشعري رحمه الله في كتاب المقالات المذكور.

وبه تعلم أنه يؤمن بكل ما جاء عن الله في كتابه وما ثبت عن رسوله صلى الله عليه وسلم لا يرد من ذلك شيئا ولا ينفيه بل يؤمن به ويثبته لله، بقلا كيف ولا تشبيه، كما هو مذهب أهل السنة. وقال أبو الحسن الأشعري أيضا في كتاب المقالات المذكور ما نصه:

وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال عز وجل:

الرحمان على العرش استوى

[طه: 5] ولا نقدم بين يدي الله في القول بل نقول: استوى بل كيف، ثم أطال الكلام رحمه الله، في إثبات الصفات كما قدمنا عنه، ثم قال ما نصه وقالت المعتزلة: إن الله استوى على عرشه بمعنى استولى. اه. محل الغرض منه بلفظه.

فتراه صرح في كتاب المقالات المذكور، بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء، هو قول المعتزلة لا قوله هو، ولا قول أحد من أهل السنة.

وزاد في كتاب الإبانة مع المعتزلة الجهمية والحرورية كما قدمنا.

وبكل ما ذكرنا تعلم أن الأشعري رجع عن الاعتزال إلى مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها.

وقد قدمنا إيضاح الحق في آيات الصفات بالأدلة القرآنية بكثرة في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى:

ثم استوى على العرش

[الأعراف: 54] الآية.

واعلم أن أئمة القائلين بالتأويل، رجعوا قبل موتهم عنه، لأنه مذهب غير مأمون العاقبة، لأن مبناه على ادعاء أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها، لا تليق بالله لظهورها وتبادرها في مشابهة صفات الخلق.

ثم نفى تلك الصفات الواردة في الآيات والأحاديث، لأجل تلك الدعوى الكاذبة المشؤومة، ثم تأويلها بأشياء أخر، دون مستند من كتاب أو سنة، أو قول صحابي أو أحد من السلف.

وكل مذهب هذه حاله، فإنه جدير بالعاقل المفكر أن يرجع عنه إلى مذهب السلف.

وقد أشار تعالى في سورة الفرقان أن وصف الله بالاستواء صادر عن خبير بالله، وبصفاته عالم بما يليق به وبما لا يليق وذلك في قوله تعالى:

الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا

[الفرقان: 59].

فتأمل قوله: ﴿ فاسأل به خبيرا ﴾ ، بعد قوله: ﴿ ثم استوى على العرش الرحمن ﴾ ، تعلم أن من وصف الرحمن بالاستواء على العرش خبير بالرحمن وبصفاته لا يخفى عليه اللائق من الصفات وغير اللائق.

فالذي نبأنا بأنه استوى على عرشه هو العليم الخبير الذي هو الرحمن.

وقد قال تعالى:

ولا ينبئك مثل خبير

[فاطر: 14].

وبذلك تعلم أن من يدعي أن الاستواء يستلزم التشبيه، وأنه غير لائق غير خبير، نعم والله هو غير خبير.

وسنذكر هنا إن شاء الله أن أئمة المتكلمين المشهورين رجعوا كلهم عن تأويل الصفات.

أما كبيرهم الذي هو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري، وهو القاضي محمد بن الطيب المعروف بأبي بكر الباقلاني، فإنه كان يؤمن بالصفات على مذهب السلف ويمنع تأويلها منعا باتا، ويقول فيها بمثل ما قدمنا عن الأشعري.

وسنذكر لك هنا بعض كلامه.

قال الباقلاني المذكور في كتاب التمهيد ما نصه:

باب في أن لله وجها ويدين، فإن قال قائل. فما الحجة في أن لله عز وجل وجها ويدين؟ قيل له قوله:

ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام

[الرحمن: 27].

وقوله:

ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي

[ص: 75]. فأثبت لنفسه وجها ويدين.

فإن قالوا: فما أنكرتم أن يكون المعنى في قوله ﴿ خلقت بيدى ﴾ أنه خلقه بقدرته أو بنعمته، لأن اليد في اللغة قد تكون بمعنى النعمة، وبمعنى القدرة، كما قال: لي عند فلان يد بيضاء. يراد به نعمة.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٣٨