تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما يقال: هذا الشيء في يد فلان وتحت يد فلان، يراد به أنه تحت قدرته وفي ملكه.

ويقال: رجل أيد إذا كان قادرا.

وكما قال تعالى:

خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما

[يس: 71] يريد عملنا بقدرتنا. وقال الشاعر:

إذا ما راية رفعت لمجد

تلقاها عرابة باليمين

فكذلك قوله: ﴿ خلقت بيدي ﴾ يعني بقدرتي أو نعمتي.

يقال لهم هذا باطل لأن قوله: ﴿ بيدي ﴾ يقتضي إثبات يدين هما صفة له.

فلو كان المراد بهما القدرة لوجب أن يكون له قدرتان.

وأنتم لا تزعمون أن للباري سبحانه قدرة واحدة، فكيف يجوز أن تثبتوا له قدرتين؟

وقد أجمع المسلمون من مثبتي الصفات والنافين لها على أنه لا يجوز أن يكون له تعالى قدرتان فبطل ما قلتم.

وكذلك لا يجوز أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين، لأن نعم الله تعالى على آدم وعلى غيره لا تحصى.

ولأن القائل لا يجوز أن يقول: رفعت الشيء بيدي أو وضعته بيدي أو توليته بيدي وهو يعني نعمته.

وكذلك لا يجوز أن يقال: لي عند فلان يدان يعني نعمتين.

وإنما يقال لي عنده يدان بيضاوان، لأن القول: يد، لا يستعمل إلا في اليد التي هي صفة الذات.

ويدل على فساد تأويلهم أيضا أنه لو كان الأمر على ما قالوه لم يغفل عن ذلك إبليس، وعن أن يقول وأي فضل لآدم علي يقتضي أن أسجد له، وأنا أيضا بيدك خلقتني التي هي قدرتك وبنعمتك خلقتني؟

وفي العلم بأن الله تعالى فضل آدم عليه بخلقه بيديه، دليل على فساد ما قالوه.

فإن قال قائل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة؟ إذ كنتم لم تعقلوا يد صفة ووجه صفة لا جارحة.

يقال له: لا يجب ذلك كما لا يجب إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما أن نقضي نحن وأنتم على الله تعالى بذلك.

وكما لا يجب متى كان قائما بذاته أن يكون جوهرا أو جسما، لأنا وإياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك. اه. محل الغرض منه بلفظه.

وهو صريح في أنه يرى أن صفة الوجه وصفة اليد وصفة العلم والحياة والقدرة كلها من صفات المعاني ولا وجه للفرق بينها وجميع صفات الله مخالفة لجميع صفات خلقه.

وقال الباقلاني أيضا في كتاب التمهيد ما نصه:

فإن قالوا: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟

قيل: معاذ الله بل هو مستو على العرض كما أخبر في كتابه، فقال:

الرحمن على العرش استوى

[طه: 5] وقال تعالى

إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه

[فاطر: 10] وقال:

أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور

[الملك: 16].

ولو كان في كل مكان، لكان في جوف الإنسان، وفمه وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها، تعالى عن ذلك، ولوجب أن يزيد بزيادة الأماكن إذ خلق منها ما لم يكن خلقه، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان.

ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى وراء ظهورنا وعن أيماننا وشمائلنا.

وهذا ما قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله، إلى أن قال رحمه الله: ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه عليه كما قال الشاعر:

قد استوى بشر على العراق

من غير سيف ودم مهراق

لأن الاستيلاء هو القدرة والقهر، والله تعالى لم يزل قادرا قاهرا عزيزا مقتدرا.

وقوله:

ثم استوى على العرش

[الأعراف: 54، يونس: 2] يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، فيبطل ما قالوه.

فإن قال قائل: ففصلوا لي صفات ذاته من صفات أفعاله، لأعرف ذلك.

قيل له: صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها.

وهي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان. اه محل الغرض منه بلفظه.

وقد نقلناه من نسخة هي أجود نسخة موجودة لكتاب التمهيد للباقلاني المذكور.

وترى تصريحه فيها بأن صفة الوجه واليد من صفات المعاني كالحياة والعلم والقدرة والإرادة، كما هو قول أبي الحسن الأشعري الذي قدمنا إيضاحه.

واعلم أن إمام الحرمين، أبا المعالي الجويني، كان في زمانه من أعظم أئمة القائلين بالتأويل، وقد قرر التأويل وانتصر له في كتابه الإرشاد.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٣٩