[الواقعة: 58-59] وقوله
أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون
[الواقعة: 69]. وقوله:
أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون
[الواقعة: 72]، ونحو هذا كثير في القرآن جدا، وبه تعلم أن صيغة الجمع في قوله ﴿ إنا ﴾. وفي قوله ﴿ خلقنا ﴾ وفي قوله:
عملت أيدينآ
[يس: 71] إنما يراد بها التعظيم، ولا يراد بها التعدد أصلا.
وإذا كان يراد بها التعظيم، لا التعدد علم بذلك أنها لا تصح بها معارضة قوله: ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ ، لأنها دلت على صفة اليدين، والجمع في قوله: ﴿ أيدينآ ﴾ لمجرد التعظيم.
وما كان كذلك لا يدل على التعدد فيطلب الدليل من غيره، فإن دل على أن المراد بالتعظيم واحد حكم بذلك، كالآيات المتقدمة.
وإن دل على معنى آخر حكم به.
فقوله مثلا: ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ قام فيه البرهان القطعي أنه حافظ واحد، وكذلك قوله: ﴿ أم نحن الخالقون ﴾ ، ﴿ أم نحن المنزلون ﴾ ، ﴿ أم نحن المنشئون ﴾ فإنه قد قام في كل ذلك البرهان القطعي على أنه خالق واحد، ومنزل واحد، ومنشىء واحد.
وأما قوله ﴿ مما عملت أيدينآ ﴾ فقد دل البرهان القطعي، على أن الله موصوف بصفة اليدين كما صرح به في قوله:
لما خلقت بيدي
[ص: 75] كما تقدم إيضاحه قريبا.
وقد علمت أن صيغة الجمع في قوله:
لحافظون
[الحجر: 9]. وقوله:
أم نحن الخالقون
[الواقعة: 59] وقوله:
أم نحن المنزلون
[الواقعة: 69] وقوله:
أم نحن المنشئون
[الواقعة: 72] وقوله
خلقنا لهم مما عملت أيدينآ
[يس: 71] لا يراد بشيء منه معنى الجمع، وإنما يراد به التعظيم فقط.
وقد أجاب أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتاب الإبانة بما يقرب من هذا في المعنى.
واعلم أن لفظ اليدين، قد يستعمل في اللغة العربية استعمالا خاصا، بلفظ خاص لا تقصد به في ذلك النعمة ولا الجارحة ولا القدرة، وإنما يراد به معنى أمام.
واللفظ المختص بهذا المعنى هو لفظة اليدين التي أضيفت إليها لفظة بين خاصة، أعني لفظة بين يديه، فإن المراد بهذه اللفظة أمامه. وهو استعمال عربي معروف مشهور في لغة العرب لا يقصد فيه معنى الجارحة ولا النعمة ولا القدرة، ولا أي صفة كائنة ما كانت.
وإنما يراد به أمام فقط كقوله تعالى:
وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه
[سبأ: 31] أي ولا بالذي كان أمامه سابقا عليه من الكتب.
وكقوله:
ومصدقا لما بين يديه من التوراة
[المائدة: 46] أي مصدقا لما كان أمامه متقدما عليه من التوراة.
وكقوله:
فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم
[فصلت: 25]، فالمراد بلفظ ما بين أيديهم ما أمامهم.
وكقوله تعالى:
وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته
[الأعراف: 57]، أي يرسل الرياح مبشرات أمام رحمته التي هي المطر، إلى غير ذلك من الآيات.
ومما يوضح لك ذلك أنه لا يمكن تأويل اليدين في ذلك بنعمتين ولا قدرتين ولا جارحتين. ولا غير ذلك من الصفات، فهذا أسلوب خاص دال على معنى خاص. بلفظ خاص مشهور، في كلام العرب فلا صلة له باللفظ الدال على الجارحة، بالنسبة إلى الإنسان ولا باللفظ الدال على صفة الكمال والجلال الثابتة لله تعالى فافهم.
وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتابه: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، الذي ذكر فيه أقوال جميع أهل الأهواء والبدع والمؤولين والنافين لصفات الله أو بعضها ما نصه:
جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يردون من ذلك شيئا.
وأن الله سبحانه إله واحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله سبحانه على عرشه كما قال
الرحمان على العرش استوى
[طه: 5] وأن له يدين بلا كيف كما قال: