تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واللازم لمن شبه في بعض الصفات ونزه في بعضها أن يشبه في جميعها أو ينزه في جميعها، كما قاله الأشعري.

أما ادعاء ظهور التشبيه في بعضها دون بعض، فلا وجه له بحال من الأحوال، لأن الموصوف بها واحد، وهو منزه عن مشابهة صفات خلقه.

ومن جملة كلام أبي الحسن الأشعري رحمه الله المشار إليه آنفا في إثبات الصفات ما نصه:

فإن قال قائل: لم أنكرتم أن يكون قوله:

مما عملت أيدينآ

[يس: 71] وقوله

لما خلقت بيدي

[ص: 75] على المجاز؟

قيل له: حكم كلام الله عز وجل أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا لحجة.

ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم فإذا ورد بلفظ العموم، والمراد به الخصوص، فليس لهو على حقيقة الظاهر؟

وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة؟

كذلك قول الله عز وجل

لما خلقت بيدي

[ص: 75] على ظاهره وحقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة.

ولو جاز ذلك لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم، فهو على الخصوص، وما ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة.

وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان، لم يجز لكم ما ادعيتموه، أنه مجاز بغير حجة.

بل واجب أن يكون قوله ﴿ لما خلقت بيدى ﴾ إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين غذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي وهو يعني النعمتين. اه محل الغرض منه بلفظه.

وفيه تصريح أبي الحسن الأشعري رحمه الله، بأن صفات الله كصفة اليد ثابتة له حقيقة لا مجازا، وأن المدعين أنها مجاز هم خصومه وهو خصمهم كما ترى.

وإنما قال رحمه الله: إنه تعالى متصف بها حقيقة لا مجازا، لأنه لا يشك فى أن ظاهر صفة الله هو مخالفة صفة الخلق، وتنزيهها عن مشابهتها كما هو شأن السلف الصالح كلهم.

فإثبات الحقيقة ونفي المجاز في صفات الله هو اعتقاد كل مسلم طاهر القلب من أقذار التشبيه، لأنه لا يسبق إلى ذهنه من اللفظ الدال على الصفة كصفة اليد والوجه إلا أنها صفة كمال منزهة عن مشابهة صفات الخلق.

فلا يخطر في ذهنه التشبيه الذي هو سبب نفي الصفة وتأويلها بمعنى لا أصل له.

تنبيه مهم

فإن قيل دل الكتاب والسنة وإجماع السلف على أن الله وصف نفسه بصفة اليدين كقوله تعالى:

ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي

[ص: 75]. وقوله تعالى:

بل يداه مبسوطتان

[المائدة: 64] وقوله تعالى:

وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه

[الزمر: 67] الآية.

والأحاديث الدالة على مثل ما دلت عليه الآيات المذكورة كثيرة، كما هو معلوم، وأجمع المسلمون على أنه جل وعلا، لا يجوز أن يوصف بصفة الأيدي مع أنه تعالى قال

أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما فهم لها مالكون

[يس: 71] فلم أجمع المسلمون على تقديم آية لما خلقت بيدي على آية مما عملت أيدينا؟

فالجواب: أنه لا خلاف بين أهل اللسان العربي ولا بين المسلمين أن صيغ الجموع تأتي لمعنيين أحدهما إرادة التعظيم فقط، فلا يدخل في صيغة الجمع تعدد أصلا، لأن صيغة الجمع المراد بها التعظيم، إنما يراد بها واحد.

والثاني أن يراد بصيغة الجمع معنى الجمع المعروف، وإذا علمت ذلك، فاعلم أن القرآن العظيم. يكثر فيه جدا إطلاق الله جل وعلا، على نفسه صيغة الجمع، يريد بذلك تعظيم نفسه، ولا يريد بذلك تعددا ولا أن معه غيره، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيران كقوله تعالى

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

[الحجر: 9].

فصيغة الجمع في قوله ﴿ إنا ﴾ وفي قوله: ﴿ نحن ﴾ وفي قوله: ﴿ نزلنا ﴾ وقوله: ﴿ لحافظون ﴾ لا يراد بها أن معه منزلا للذكر، وحافظا له غيره تعالى.

بل هو وحده المنزل له والحافظ له، وكذلك قوله تعالى:

أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٣٦