تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول:

إن الله عز وجل مستو على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها.

ووجب أن يكون معناه استواء يختص العرش دون الأشياء كلها.

وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله عز وجل في كل مكان فلزمهم أنه في بطن مريم وفي الحشوش والأخلية.

وهذا خلاف الدين، تعالى الله عن قولهم. اه.

هذا لفظ أبي الحسن الأشعري رحمه الله في آخر مصنفاته.

وهو كتاب الإبانة عن أصول الديانة.

وتراه صرح رحمه الله بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو قول المعتزلة والجهمية والحرورية لا قول أحد من أهل السنة وأقام البراهين الواضحة على بطلان ذلك.

فليعلم مؤولو الاستواء بالاستيلاء أن سلفه في ذلك المعتزلة والجهمية والحرورية، لا أبو الحسن الأشعري رحمه الله ولا أحد من السلف.

وقد أوضحنا في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى:

وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم

[الأنعام: 3] الآية. أن قول الجهمية ومن تبعهم: إن الله في كل مكان قول باطل.

لأن جميع الأمكنة الموجودة، أحقر وأقل وأصغر، من أن يسع شيء منها خالق السماوات والأرض، الذي هو أعظم وأكبر من كل شيء، وهو محيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء.

فانظر إيضاح ذلك في الأنعام.

واعلم أن ما يزعمه كثير من الجهلة، من أن ما في القرآن العظيم، من صفة الاستواء والعلو والفوقية، يستلزم الجهة، وأن ذلك محال على الله، وأنه يجب نفي الاستواء والعلو والفوقية، وتأويلها بما لا دليل عليه من المعاني كله باطل.

وسببه سوء الظن بالله وبكتابه، وعلى كل حال فمدعي لزوم الجهة لظواهر نصوص القرآن العظيم.

واستلزام ذلك للنقص الموجب للتأويل يقال له:

ما مرادك بالجهة؟

إن كنت تريد بالجهة مكانا موجودا، انحصر فيه الله، فهذا ليس بظاهر القرآن، ولم يقله أحد من المسلمين.

وإن كنت تريد بالجهة العدم المحض.

فالعدم عبارة عن لا شيء.

فميز أولا، بين الشيء الموجود وبين لا شيء.

وقد قال أيضا أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتاب الإبانة أيضا ما نصه:

فإن سئلنا أتقولون إن لله يدين؟ قيل نقول ذلك، وقد دل عليه قوله عز وجل:

يد الله فوق أيديهم

[الفتح: 10]. وقوله عز وجل:

لما خلقت بيدي

[ص: 75].

وأطال رحمه الله، الكلام في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات صفة اليدين لله.

ومن جملة ما قال ما نصه:

ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله عز وجل عنى بقوله: ﴿ يدي ﴾ يدين ليستا نعمتين.

فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة.

قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟

فإن رجوعنا إلى شاهدنا، وإلى ما نجده فيما بيننا من الخلق؟

فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة.

قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله عز وجل فكذلك لم نجد حيا من الخلق، إلا جسما لحما ودما، فاقضوا بذلك على الله عز وجل.

وإلا فأنتم لقولكم متأولون ولاعتلالكم ناقضون.

وإن أثبتم حيا لا كالأحياء منا.

فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله عز وجل عنهما، يدين ليستا نعمتين لا جارحتين ولا كالأيدي؟

وكذلك يقال لهم:

لم تجدوا مدبرا حكيما إلا إنسانا، ثم أثبتم أن للدنيا مدبرا حكيما، ليس كالإنسان، وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم.

فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين، من أجل أن ذلك خلاف الشاهد اه. محل الغرض منه بلفظه.

وبه تعلم أن الأشعري رحمه الله، يعتقد أن الصفات التي أنكرها المؤولون كصفة اليد، من جملة صفات المعاني كالحياة ونحوها، وأنه لا فرق ألبتة بين صفة اليد وصفة الحياة فما اتصف الله به من جميع ذلك فهو منزه عن مشابهة ما اتصف به الخلق منه.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٣٥