تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو مذهب المعتزلة ومن ضاهاهم.

وهو أعلم الناس بأقوال المعتزلة لأنه كان أعظم إمام في مذهبهم، قبل أن يهديه الله إلى الحق، وسنذكر لك هنا بعض نصوص أبي الحسن الأشعري رحمه الله لتعلم صحة ما ذكرنا عنه.

قال رحمه الله [في كتاب الإبانة عن أصول الديانة]، الذي قال غير واحد أنه آخر كتاب صنفه، ما نصه:

فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة، والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له:

قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث.

ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نصر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون.

لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان به الحق ورفع به الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين وشك الشاكين. فرحمة الله عليه من إمام مقدم وخليل معظم مفخم، وعلى جميع أئمة المسلمين.

وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسوله وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك شيئا.

وأن الله عز وجل إله واحد لا إله إلا هو فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، والساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.

وأن الله استوى على عرشه كما قال

الرحمن على العرش استوى

[طه: 5] وأن له وجها كما قال:

ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام

[الرحمن: 27]. وأن له يدين بلا كيف كما قال

خلقت بيدي

[ص: 75] وكما قال

بل يداه مبسوطتان

[المائدة: 64] وأن له عينان بلا كيف كما قال:

تجري بأعيننا

[القمر: 14] اه. محل الغرض منه بلفظه.

وبه تعلم أن من يفتري على الأشعري أنه من المؤولين المدعين أن ظاهر آيات الصفات وأحاديثها لا يليق بالله كاذب عليه كذبا شنيعا.

وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتاب الإبانة أيضا في إثبات الاستواء لله تعالى ما نصه:

إن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟

قيل له نقول: إن الله عز وجل مستو على عرشه كما قال:

الرحمن على العرش استوى

[طه: 5]. وقد قال الله عز وجل:

إليه يصعد الكلم الطيب

[فاطر: 10] وقد قال:

بل رفعه الله إليه

[النساء: 158]. قال عز وجل

يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه

[السجدة: 5]. وقال حكاية عن فرعون:

يهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا

[غافر: 36-37].

فكذب فرعون نبي الله موسى عليه السلام في قوله: (إن الله عز وجل فوق السماوات). وقال عز وجل:

أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض

[الملك: 16].

فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات: قال ﴿ أأمنتم من في السمآء ﴾ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات. هذا لفظ أبي الحسن الأشعري رحمه الله في كتاب الإبانة المذكور.

وقد أطال رحمه الله فى الكلام بذكر الأدلة القرآنية، في إثبات صفة الاستواء، وصفة العلو لله جل وعلا.

ومن جملة كلامه المشار إليه ما نصه:

وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن قول الله عز وجل

الرحمن على العرش استوى

[طه: 5] أنه استولى وملك وقهر، وأن الله عز وجل في كل مكان. وجحدوا أن يكون الله عز وجل على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة.

ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض، فالله سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم.

فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو عز وجل مستول على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأفراد، لأنه قادر على الأشياء مستول عليها.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٣٤