تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46.33

قد قدمنا الآيات الموضحة لهذه الآية، وأنها من الآيات الدالة على البعث في البقرة والنحل والجاثية، وغير ذلك من المواضع وأحلنا على ذلك مرارا، والباء في قوله ﴿ بقادر ﴾ يسوغه أن النفي متناول لأن فما بعدها، فهو في معنى أليس الله بقادر؟

ويوضح ذلك قوله بعد: بلى. مقررا لقردته على البعث وغيره.

46.35

قوله تعالى: ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ﴾.

اختلف العلماء في المراد بأولي العزم من الرسل في هذه الآية الكريمة اختلافا كثيرا.

وأشهر الأقوال في ذلك أنهم خمسة، وهم الذين قدمنا ذكرهم في الأحزاب والشورى، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام.

وعلى هذا القول فالرسل الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبروا أربعة فصار هو صلى الله عليه وسلم خامسهم.

واعلم أن القول بأن المراد بأولي العزم جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن لفظة من، في قوله: من الرسل بيانية يظهر أنه خلاف التحقيق، كما دل على ذلك بعض الآيات القرآنية كقوله تعالى:

فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت

[القلم: 48] الآية، فأمر الله جل وعلا نبيه في آية القلم هذه بالصبر، ونهاه عن أن يكون مثل يونس، لأنه هو صاحب الحوت وكقوله:

ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما

[طه: 115] فآية القلم، وآية طه المذكورتان كلتاهما تدل على أن أولي العزم من الرسل الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصبر كصبرهم ليسوا جميع الرسل والعلم عند الله تعالى.

قوله تعالى: ﴿ ولا تستعجل لهم ﴾.

نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة، أن يستعجل لقومه، أي يدعو الله عليهم بتعجيله لهم، فمفعول تستعجل محذوف تقديره العذاب، كما قاله القرطبي، وهو الظاهر.

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن طلب تعجيل العذاب لهم جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى:

وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا

[المزمل: 11]. وقوله تعالى

فمهل الكافرين أمهلهم رويدا

[الطارق: 17].

فإن قوله ﴿ ومهلهم قليلا ﴾ ، وقوله:

فمهل الكافرين أمهلهم رويدا

[الطارق: 17] موضح لمعنى قوله ﴿ ولا تستعجل لهم ﴾.

والمراد بالآيات، نهيه صلى الله عليه وسلم عن طلب تعجيل العذاب لهم، لأنهم معذبون، لا محالة عند انتهاء المدة المحددة للإمهال، كما يوضحه قوله تعالى

فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا

[مريم: 84] وقوله تعالى

نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ

[لقمان: 24] وقوله تعالى

قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار

[البقرة: 126] الآية. وقوله تعالى:

لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد

[آل عمران: 196-197] وقوله تعالى:

قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون

[يونس: 69-70] إلى غير ذلك من الآيات.

قوله تعالى: ﴿ كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ﴾.

قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى

ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم

[يونس: 45] وفي سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام على قوله تعالى:

قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العآدين

[المؤمنون: 113].

وبينا في الكلام على آية قد أفلح المؤمنون وجه إزالة إشكال معروف في الآيات المذكورة.

قوله تعالى: ﴿ بلاغ ﴾.

التحقيق إن شاء الله أن أصوب القولين في قوله: ﴿ بلاغ ﴾ أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره، هذا بلاغ، أي هذا القرآن بلاغ من الله إلى خلقه.

ويدل لهذا قوله تعالى في سورة إبراهيم

هذا بلاغ للناس ولينذروا به

[إبراهيم: 52]، وقوله في الأنبياء

إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين

[الأنبياء: 106]، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠١٤