تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا

[مريم: 8893] كما قدمنا إيضاحه.

وغاية ما في هذا الوجه أن آية الشورى هذه فيها إجمال في سبب تفطر السماوات، وقد جاء ذلك موضحا في آية مريم المذكورة. وكلا الوجهين حق.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ يتفطرن من فوقهن ﴾ فيه للعلماء أوجه.

قيل: يتفطرن، أي السماوات من فوقهن أي الأرضين، ولا يخفى بعد هذا القول كما ترى.

وقال بعضهم: من فوقهن أي كل سماء تتفطر فوق التي تليها.

وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت لم قال: ﴿ من فوقهن ﴾ [الشورى: 5] قلت: لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة فوق السماوات، وهي العرش والكرسي، وصفوف الملائكة، المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى من آثار ملكوته العظمى، فلذلك قال: ﴿ يتفطرن من فوقهن ﴾ [الشورى: 5] أي يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية.

أو لأن كلمة الكفر جاءت من الذي تحت السموات، فكان القياس أن يقال: يتفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة.

ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في وجهة الفوق. كأنه قيل: يكدن يتفطرن من الجهة التي فوقهن، دع الجهة التي تحتهن.

ونظيره في المبالغة قوله عز وجل

يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم

[الحج: 1920] فجعل الحميم مؤثرا في أجزائهم الباطنة اه. محل الغرض منه.

وهذا إنما يتمشى على القول بأن سبب التفطر المذكور هو افتراؤهم على الله في قولهم

اتخذ الرحمن ولدا

[مريم: 88].

وقد قدمنا آنفا أنه دلت عليه آية مريم المذكورة وعليه فمناسبة قوله: ﴿ والملائكة يسبحون بحمد ربهم ﴾ لما قبله أن الكفار وإن قالوا أعظم الكفر وأشنعه، فإن الملائكة بخلافهم فإنهم يداومون ذكر الله وطاعته.

ويوضح ذلك قوله تعالى:

فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون

[فصلت: 38] وقوله تعالى:

فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين

[الأنعام: 89]، كما قدمنا إيضاحه في آخر سورة فصلت.

قوله تعالى: ﴿ ألا إن الله هو الغفور الرحيم ﴾.

أكد جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه هو الغفور الرحيم، وبين فيها أنه هو وحده المختص بذلك.

وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، قد جاءا موضحين في غير هذا الموضع.

أما اختصاصه هو جل وعلا بغفران الذنوب، فقد ذكره في قوله تعالى:

ومن يغفر الذنوب إلا الله

[آل عمران: 135]، والمعنى لا يغفر الذنوب إلا الله، وفي الحديث

" رب إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت "

الحديث. وفي حديث سيد الاستغفار:

" اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني "

الحديث. وفيه

" وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ".

ووجه دلالة هذه الآية على أن الله وحده هو الذي يغفر الذنوب، هو أن ضمير الفصل بين المسند والمسند إليه في قوله: ﴿ ألا إن الله هو الغفور الرحيم ﴾ [الشورى: 5] يدل على ذلك كما هو معلوم في محله، وأما الأمر الثاني، هو توكيده تعالى أنه هو الغفور الرحيم فإنه أكد ذلك هنا بحرف الاستفتاح الذي هو ألا، وحرف التوكيد الذي هو إن.

وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة، كقوله تعالى:

إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم

[الرمز: 53]. وقوله تعالى:

وإني لغفار لمن تاب وآمن

[طه: 82] الآية. وقوله تعالى:

إن ربك واسع المغفرة

[النجم: 32] وقوله في الكفار:

قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف

[الأنفال: 38]. وقوله في الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة

أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم

[المائدة: 74] والآيات بمثل ذلك كثيرة.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٨٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٨٩٨