إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم
[الصافات: 106107] فتبين بهذا أن التحقيق أن حكمة التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء. وإلى الخلاف المذكور أشار في مراقي السعود بقوله:
للامتثال كلف الرقيب
فموجب تمكنا مصيب
أو بينه والابتلاء ترددا
شرط تمكن عليه انفقدا
وقد أشار بقوله: فموجب تمكنا مصيب. وقوله: شرط تمكن عليه انفقدا، إلى أن شرط التمكن من الفعل في التكليف، مبني على الخلاف المذكور، فمن قال: إن الحكمة في التكليف هي الامتثال فقد اشترط في التكليف التمكن من الفعل، لأنه لا امتثال إلا مع التمكن من الفعل، ومن قال إن الحكمة مترددة بين الامتثال والابتلاء، لم يشترط التمكن من الفعل، لأن الحكمة الابتلاء تتحقق مع عدم التمكن من الفعل كما لا يخفى، ومن الفروع المبنية على هذا الخلاف أن تعلم المرأة بالعادة المطردة أنها تحيض، بعد الظهر غدا من نهار رمضان، ثم حصل لها الحيض بالفعل، فتصبح مفطرة قبل إتيان الحيض، فعلى أن حكمة التكليف الامتثال فقط، فلا كفارة عليها، ولها أن تفطر، لأنها عالمة بأنها لا تتمكن من الامتثال، وعلى أن الحكمة تارة تكون الامتثال وتارة تكون الابتلاء، فإنها يجب عليها تبييت الصوم، ولا يجوز لها الإفطار إلا بعد مجيء الحيض بالفعل، وإن أفطرت قبله كفرت. وكذلك من أفطر لحمى تصيبه غدا، وقد علم ذلك بالعادة فهو أيضا ينبني على الخلاف المذكور.