تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا

[الكهف: 6] وقوله تعالى:

لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين

[الشعراء: 3] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. ولما كان يحزنه كفرهم، وعدم إيمانهم أنزل الله آيات كثيرة تسلية له صلى الله عليه وسلم بين له فيها: أنه لا قدرة له صلى الله عليه وسلم على هدى من أضله الله، فإن الهدى والإضلال بيده جل وعلا وحده وأوضح له أنه نذير، قد أتى بما عليه فأنذرهم على أكمل الوجوه وأبلغها وأن هداهم وإضلالهم بيد من خلقهم.

ومن الآيات النازلة تسلية له صلى الله عليه وسلم قوله هنا: ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ أي لا تسمع من أضله الله إسماع هدى وقبول، إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا يعني ما تسمع إسماع هدى وقبول، إلا من هديناهم للإيمان بآياتنا فهم مسلمون.

والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة كقوله تعالى:

إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل

[النحل: 37] الآية، وقوله تعالى:

ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم

[المائدة: 41] وقوله تعالى:

إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء

[القصص: 56] الآية. وقوله تعالى:

أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون

[يونس: 99100] إلى غير ذلك من الآيات، ولو كان معنى الآية، وما شابهها: إنك لا تسمع الموتى: أي الذين فارقت أرواحهم أبدانهم لما كان في ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم، كما ترى.

واعلم أن آية النمل هذه جاءت آيتان أخريان بمعناها:

الأولى منهما: قوله تعالى في سورة الروم:

فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين ومآ أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون

[الروم: 5253] ولفظ آية الروم هذه كلفظ آية النمل التي نحن بصددها، فيكفي في بيانه آية الروم ما ذكرنا في آية النمل.

والثانية منهما قوله تعالى في سورة فاطر:

إن الله يسمع من يشآء ومآ أنت بمسمع من في القبور

[فاطر: 22] وآية فاطر هذه كآية النمل والروم المتقدمتين، لأن المراد بقوله: فيها من في القبور الموتى، فلا فرق بين قوله:

إنك لا تسمع الموتى

[النمل: 80] وبين قوله: ﴿ ومآ أنت بمسمع من في القبور ﴾ لأن المراد بالموتى ومن في القبور واحد كقوله تعالى:

وأن الله يبعث من في القبور

[الحج: 7] أي يبعث جميع الموتى من قبر منهم ومن لم يقبر، وقد دلت قرائن قرآنية أيضا على أن معنى آية: فاطر هذه كمعنى آية الروم، منها قوله تعالى قبلها:

إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة

[فاطر: 18] الآية، لأن معناها: لا ينفع إنذارك إلا من هداه الله ووفقه فصار ممن يخشى ربه بالغيب، ويقيم الصلاة وما أنت بمسمع من في القبور: أي الموتى أي الكفار الذين سبق لهم الشقاء كما تقدم. ومنها قوله تعالى أيضا:

وما يستوي الأعمى والبصير

[فاطر: 19] أي المؤمن والكافر. وقوله تعالى قبلها:

وما يستوي الأحيآء ولا الأموات

[فاطر: 22] اي المؤمنون والكفار. ومنها قوله تعالى بعده:

إن أنت إلا نذير

[فاطر: 23] أي ليس الإضلال والهدى بيدك ما أنت إلا نذير: أي وقد بلغت.

التفسير الثاني: هو أن المراد بالموتى الذين ماتوا بالفعل، ولكن المراد بالسماع المنفي في قوله: ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع صاحبه به، وأن هذا مثل ضرب للكفار، والكفار يسمعون الصوت، لكن لا يسمعون سماع قبول بفقه واتباع كما قال تعالى:

ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعآء وندآء

[البقرة: 171]، فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع أنواع السماع كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا، وهذا التفسير الثاني جزم به واقتصر عليه العلامة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله في هذا المبحث.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٦٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٦٨٢