تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالحاصل: أن التزويج بين الكفار والمسلمين ممنوع في جميع الصور، إلا صورة واحدة، وهي تزوج الرجل المسلم بالمرأة المحصنة الكتابية، والنصوص الدالة على ذلك قرآنية كما رأيت.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ والصالحين من عبادكم وإمائكم ﴾ يدل على لزوم تزويج الأيامى من المملوكين الصالحين، والإماء المملوكات، وظاهر هذا الأمر الوجوب لما تقرر في الأصول.

وقد بيناه مرارا من أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب، وبذلك تعلم أن الخالية من زوج إذا خطبها كفء ورضيته، وجب على وليها تزويجها إياه، وأنما يقوله بعض أهل العلم من المالكية. ومن وافقهم من أن السيد له منع عبده وأمته من التزويج مطلقا غير صواب لمخالفته لنص القرآن في هذه الآية الكريمة.

واعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ وإمائكم ﴾ ، بينت آية النساء أن الأمة لا تزوج للحر إلا بالشروط التي أشارت إليها الآية، فآية النساء المذكورة مخصصة بعموم آية النور هذه بالنسبة إلى الإيماء وآية النساء المذكورة هي قوله تعالى:

ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات

[النساء: 25] إلى قوله تعالى:

ذلك لمن خشي العنت منكم

[النساء: 25] فدلت آية النساء هذه على أن الحر لا يجوز له أن يتزوج المملوكة المؤمنة، إلا إذا كان غير مستطيع تزويج حرة لعدم الطول عنده، وقد خاف الزنى فله حينئذ تزوج الأمة بإذن أهلها المالكين لها، ويلزمه دفع مهرها، وهي مؤمنة عفيفة ليست من الزانيات ولا متخذات الأخذان، ومع هذا كله فصبره عن تزويجها خير له، وإذا كان الصبر عن تزويجها مع ما ذكرنا من الاضطرار خيرا له فمع عدمه أولى بالمنع. وبما ذكرنا تعلم أن الصواب قول الجمهور من منع تزويج الحر الأمة، إلا بالشروط المذكورة في القرآن كقول تعالى:

ومن لم يستطع منكم طولا

[النساء: 25]. وقوله:

ذلك لمن خشي العنت منكم

[النساء: 25] أي الزنى إلى آخر ما ذكر في الآية خلافا لأبي حنيفة القائل بجواز نكاحها مطلقا، إلا إذا تزوجها على حرة.

والحاصل: أن قوله تعالى في آية النور هذه: وإمائكم خصصت عمومه آية النساء كما أوضحناه آنفا، والعلماء يقولون: إن علة منع تزويج الحر الأمة، أنها إن ولدت منه كان ولدها مملوكا، لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها، فيلزمه ألا يتسبب في رق أولاده ما استطاع، ووجهه ظاهر كما ترى.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله ﴾ فيه وعد من الله للمتزوج الفقير من الأحرار، والعبيد بأن الله يغنيه، والله لا يخلف الميعاد، وقد وعد الله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقراء باليسر بعد ذلك العسر، وأنجز لهم ذلك، وذلكم في قوله تعالى:

ومن قدر عليه رزقه

[الطلاق: 7] أي ضيق عليه رزقه إلى قوله تعالى:

سيجعل الله بعد عسر يسرا

[الطلاق: 7] وهذا الوعد منه جل وعلا وعد به من اتقاه في قوله تعالى:

ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب

[الطلاق: 23] الآية. ووعد بالرزق أيضا من يأمر أهله بالصلاة، ويصطبر عليها، وذلك في قوله:

وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى

[طه: 132] وقد وعد المستغفرين بالرزق الكثير على لسان نبيه نوح في قوله تعالى عنه:

فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السمآء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا

[نوح: 1012] وعلى لسان نبيه هود في قوله تعالى عنه:

ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين

[هود: 52] الآية. وعلى لسان نبينا صلى الله عليه وعليهما جميعا وسلم

وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٧٨