" أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدعوت فقال النبي صلى الله عليه وسلم:من هذا؟ قلت أنا فخرج وهو يقول: أنا أنا "
حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ لأبي بكر قال قال يحيى أخبرنا وقال أبو بكر: حدثنا وكيع عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال:
" استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من هذا؟ فقلت: أنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا انا "
وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا النضر بن شميل، وأبو عامر العقدي " ح " وحدثنا محمد بن المثنى، حدثني وهب بن جرير " ح " وحدثني عبد الرحمن بن بشر، حدثنا بهز كلهم عن شبعة بهذا الإسناد، وفي حديثهم كأنه كره ذلك. انتهى منه، وقول جابر، كأنه كره ذلك فيه أنه لا يخفى من تكريره صلى الله عليه وسلم لفظة أنا أنه كره ذلك ولم يرضه، وحديث جابر هذا أخرجه غير الشيخين من باقي الجماعة.
المسألة الرابعة: اعلم أن الأظهر الذي لا ينبغي العدول عنه أن الرجل يلزمه أن يستأذن على أمه وأخته وبنيه وبناته البالغين، لأنه إن دخل على من ذكر يغير استئذن فقد تقع عينه على عورات من ذكر، وذلك لا يحل له.
وقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لحديث: " إنما جعل الاستئذان من أجل البصر " ، ما نصه: ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم، لئلا تكون منكشفة العورة: وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن نافع: كان ابن عمر، إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلا بإذن. ومن طريق علقمة: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: استأذن على أمي؟ فقال: ما على كل أحيانها تريد أن. ومن طريق مسلم بن نذير بالنون مصغرا: سأل رجل حذيفة: أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره. ومن طريق موسى بن طلحة، دخلت مع أبي على أمي فدخل، واتبعته فدفع في صدري وقال: أتدخل بغير إذن؟ ومن طريق عطاء سألت ابن عباس أستأذن على أختي؟ قال نعم، قلت إنها في حجري؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ وأسانيد هذه الآثار كلها صحيحة. انتهى من فتح الباري.
وهذه الآثار عن هؤلاء الصحابة تؤيد ما ذكرنا من الاستذان على من ذكرنا، ويفهم من الحديث الصحيح:
" إنما جعل الاستئذان من أجل البصر "
فوقوع البصر على عورات من ذكر لا يحل كما ترى، وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره للآية التي نحن بصددها: وقال هشيم أخبرنا أشعت بن سوار، عن كردوس، عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم، وقال أشعث، عن عدي بن ثابت: أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهل بيتي، وأنا على تلك الحال: فنزلت: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا ﴾ [النور: 27] الآية، وقا ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ثلاث آيات جحدهن الناس: قال الله تعالى:
إن أكرمكم عند الله أتقاكم
[الحجرات: 13] قال يقولون: إن أكرمكم عند الله أعظمكم بيتا إلى أن قال: والأدب كله قد جحده الناس قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال نعم، فرددت عليه ليرخص لي فأبى فقال تحب أن تراها عريانه، قلت لا قال فاستأذن، قال: فراجعته فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قال: قلت نعم، قال فاستأذن، قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إلى أن أرى عورتها من ذات محرم، قال: وكان يشدد في ذلك، وقال ابن جريج عن الزهري سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإذن على أمهاتكم. اه محل الغرض منه، وهو يدل على ما ذكرنا من الاستئذان على من ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الخامسة: اعلم أنه إن لم يكن مع الرجل في بيته إلا امرأته أن الأظهر أنه لا يستأذن عليها، وذلك يفهم من ظاهر قوله تعالى: ﴿ لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ﴾ ولأنه لا حشمة بين الرجل وامرأته، ويجوز بينهما من الأحوال والملابسات ما لا يجوز لأحد غيرهما، ولو كان أبا أو أما أو ابنا كما لا يخفى، ويدل له الأثر الذي ذكرناه آنفا عن موسى بن طلحة: أنه دخل مع أبيه طلحة على أمه فزجره طلحة عن أن يدخل على أمه بغير إذن، مع أن طلحة زوجها دخل بغير إذن.