أحدهما: تكمل الشهادة وهو قول أبي بكر ومذهب أبي حنيفة، لأن الوقت ليس ذكره شرطا في الشهادة، وكذلك اللسان فلم يؤثر الاختلاف كما لو شهد أحدهما أنه أقر بقذفها يوم الخميس بالعربية وشهد الآخر أنه أقر بقذفها يوم الجمعة بالعجمية، والآخر لا تكمل الشهادة، وهو مذهب الشافعي، لأنهما قذفان لم تتم الشهادة على واحد منهما فلم يثبت كما لو شهد أحدهما أنه تزوجها يوم الخميس وشهد الآخر أنه تزوجها يوم الجمعة وفارق الإقرار بالقذف فإنه يجوز أن يكون المقر به واحدا أقر به في وقتين بلسانين انتهى من المغني.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه المسألة هي المعروفة عند العلماء بالشهادة هل تلفق في الأفعال والأقوال، أو لا تلفق وبعضهم يقول تلفق في الأقوال، دون الأفعال، وبعضهم يقول تلفق فيهما والفرق بينهما ليس بظاهر، وقولهم: هما قذفان لم تتم الشهادة على واحد منهما قد يقال فيه، وكذلك الإقرار المختلف وقته أو لسانه هما إقراران لم تتم الشهادة على واحد منهما، وهذه المسألة لا نص فيها كل من الأقوال فيها له وجه من النظر، والخلاف المذكور وعدم النص لا يبعد أن يكون شبهة تدرأ الحد. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الواحدة والعشرون: اعلم أن الذي يظهر لنا أنه الصواب أن من نفى حمل امرأته بلعان أنه ينتفي عنه، ولا يلزمه لعان آخر بعد وضعه. وهذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى وبه تعلم أن قول أبي حنيفة رحمه الله ومن وافقه من أهل الكوفة، وقول الخرقي، ومن وافقه من الحنابلة أن الحمل لا يصح نفيه باللعان، فلا بد من اللعان بعد الوضع، لأن الحمل قبل الوضع غير محقق، لاحتمال أن يكون ريحا خلاف التحقيق فيما يظهر لنا من انتفاء الحمل باللعان، كما هو قول مالك والشافعي، ومن وافقهم من أهل الحجاز كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وقصة هلال بن أمية رضي الله عنه صريحة في أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى عنه حمل امرأته باللعان، ولم يلزمه بإعادة اللعان بعد الوضع، والرواية التي توهم أن لعانه كان بعد الوضع أوضحنا الجواب عنها فيما تقدم بما أجاب به عنها ابن حجر في الفتح.
والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثانية والعشرون: في حكم من قذف امرأته باللواط، وقد أوضحنا في سورة هود في الكلام على قصة لوط أقوال أهل العلم في عقوبة اللائط وبينا أن أقواها دليلا قتل الفاعل والمفعول به، وعليه فلا حد بالقذف باللواط وإنما فيه التعزير، وذكرنا قول من قال من أهل العلم أن اللواط حكمه حكم الزنى وعلى هذا القول يلاعن القاذف باللواط وإن امتنع من اللعان حد والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثالثة والعشرون: في حكم من ولدت امرأته ولدا لا يمكن أن يكون منه فإن الولد لا يلحقه ولا يحتاج إلى نفيه بلعان، لأنه معلوم أنه ليس منه كما لو تزوج امرأة فجاءت بولد كامل لأقل من ستة أشهر لأن أقل أمد الحمل ستة أشهر كما أوضحناه في سورة الرعد، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وككون الزوج صبيا لا يولد لمثله عادة لصغره ونحو ذلك.
واعلم أن الذي يظهر لنا أنه هو الصواب أن كل ولد جاءت به امرأة الصغير قبل بلوغه أنه لا يلحق به، ولا يحتاج إلى لعان، وبه تعلم أن قول من قال من الحنابلة، ومن وافقهم: إن الزوج إن كان ابن عشر سنين لحقه الولد وكذلك تسع سنين ونصف، كما قاله القاضي من الحنابلة، إنه خلاف التحقيق واستدلالهم على لحوق الولد بالزوج الذي هو ابن عشر سنين بحديث
" واضربوهم على الصلاة لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع "
ظاهر السقوط، وإن اعتمده ابن قدامى مع علمه وغيره من الحنابلة.
فالتحقيق إن شاء الله تعالى هو ما قاله أبو بكر من الحنابلة من أنه لا يلحق به الولد حتى يبلغ وهو ظاهر لا يخفى، وكما لو تزوج امرأة في مجلس، ثم طلقها فيه قبل غيبته عنهم ثم اتت أمرأته بولد لستة أشهر من حين العقد أو تزوج مشرقي مغربية أو عكسه ثم مضت ستة أشهر وأتت بولد لم يلحقه. قال ابن قدامة في المغني: وبذلك قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة: يلحقه نسبه، لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومدة الحمل ألا ترى أنكم قلتم إذا مضى زمان الإمكان لحق الولد، وإن علم أنه لم يحصل منه الوطء. انتهى منه.