تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والظاهر أنه إن نفى ولدا بعد موته، فإن كانت أمه حية فلا بد من اللعان، لأنه قاذف أمه، وإن كانت الأم ميتة جرىعلى الخلاف في حد من قذف ميتة، فعلى القول بالحد فله اللعان، وعلى القول بعدمه فلا لعان، وقد قدمنا الخلاف في ذلك. ويعتضد ما ذكرنا بما تقدم قريبا من أن له اللعان لنفي الولد لأنه يجتمع به موجبان للعان، وهما إسقاط الحد ونفي الولد، وبه تعلم أن الأظهر عدم النظر إلى الولد الميت هل ترك مالا أو لا؟ والعلم عند الله تعالى.

تنبيه

اعلم أن أهل العلم اختلفوا في توأمي الملاعنة المنفيين باللعان، هل يتوارثان توارث الشقيقين أو الأخوين لأم؟ وقال ابن الحاجب من المالكية: هما شقيقان، وقال خليل في التوضيح وهو شرحه لمختصر ابن الحاجب في الفقه المالكي: إن كونهما شقيقين هو مشهور مذهب مالك. وقال المغيرة من المالكية: يتوارثان توارث الأخوين لأم كالمشهور عند المالكية في توأمي الزانية والمغتصبة.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لنا أن توأمي الملاعنة يتوارثان الأخوين لأم، وأنهما لا يحكم لهما بحكم الشقيقين، لأنهما لا يحلقان بأب معروف، وإذا لم يكن لهما أب معروف فلا وجه لكونهما شقيقين، ويوضح ذلك أنهما إنما ينسبان لأمهما، وبه تعلم أن مشهور مذهب مالك في هذه المسألة خلاف الأظهر، وأما قول ابن نافع من المالكية: إن توأمي الزانية شقيقان، فهو خلاف التحقيق لأن الزاني لا يلحق به نسب حتى يكون أبا لابنه من الزنى، والرواية عن ابن القاسم بنحو قول ابن نافع ظاهرها السقوط كما ترى، وأما ما قاله ابن رشد في البيان من أن توأمي المسبية، والمستأمنة شقيقان، فوجهه ظاهر والعلم عند الله تعالى.

المسألة السادسة عشرة: اعلم أنه إن تزوجها ثم قذفها بعد النكاح قائلا: إنها زنت قبل أن يتزوجها، فإن أهل العلم اختلفوا هل له لعانها نظرا إلى أن القذف وقع وهي زوجته أو يحد لقذفها ولا يمكن من اللعان نظرا إلى أنها وقت الزنى الذي قذفها به أجنبيه منه، وليست بزوجة.

قال ابن قدامة في المغني: وإن قذفها بعد تزوجها بزنى أضافه إلى ما قبل النكاح حد ولم يلاعن، سواء كان ثم ولد أو لم يكن وهو قول مالك وأبي ثور. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والشعبي: وقال الحسن وزرارة بن أبي أوفى وأصحاب الرأي: له أن يلاعن لأنه قذف امرأته، فيدخل في عموم قوله تعالى:

والذين يرمون أزواجهم

[النور: 6] الآية، ولأنه قذف امرأته فأشبه ما لو قذفها ولم يضفه إلى ما قبل النكاح، وحكى الشريف وأبو جعفر عن أحمد رواية أخرى كذلك. وقال الشافعي: إن لم يكن ثم ولد لم يلاعن وإن كان بينهما ولد ففيه وجهان، ولنا أنه قذفها قذفا مضافا إلى حال البينونة فأشبه ما لو قذفها وهي بائن وفارق قذف الزوجة، لأنه محتاج إليه، لأنها غاظته وخانته، وإن كان بينهما ولد فهو محتاج إلى نفيه، وههنا إذا تزوجها وهو يعلم زناها فهو المفرط في نكاح حامل من الزنى، فلا يشرع له طريق إلى نفيه اه من المغني.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي في هذه المسألة أنه إن لم يكن ولد، فلا يمكن الزوج من اللعان، ويحد لقذفها إن لم يأت بأربعة شهداء، لأنه قذفها وهي أجنبية، فيدخل في عموم قوله تعالى:

والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء

[النور: 4] الآية لأنه قاذف محصنة ليست بزوجة، والنكاح الطارئ لا يغير الحكم الذي تقرر قبله كما ترى. وإن كان هناك ولد يلحق به لو سكت، وهو يعلم أنه ليس منه استنادا إلى بعض الأمور المسوغة لنفي الولد التي قدمناها أن له أن يلاعن لنفي الولد.

والحاصل: أنه له اللعان لنفي الولد لا لدفع الحد فيما يظهر لنا. والعلم عند الله تعالى.

المسألة السادسة عشرة: فيما لو قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا يا زانية، فقيل: يلاعن، وقيل: لا يلاعن، لأن القذف إنما وقع بعد البينونة بالثلاث على القول بالبينونة بها، وهو قول جمهور أهل العلم منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٤٨