والأظهر عندنا أنها أيمان أكدت بلفظ الشهادة، للأدلة التي ذكرنا، وهو قول أكثر أهل العلم، والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثالثة: اعلم أنه لا يجوز في اللعان، الاعتماد على إتيان المرأة بالولد أسود، وإن كانت بيضاء، وزوجها أبيض لقصة الرجل الذي ولدت امرأته غلاما أسود، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يعرض بنفي الولد الأسود باللعان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم
" هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقا. قال ومن أين جاءتها الورقة، قال لعل عرقا نزعها. قال وهذا الغلام الأسود لعل عرقا نزعه "
والقصة مشهورة ثابتة في الصحيحين، وقد قدمناها مرارا، وفيها الدلالة على أن سواد الولد لا يجوز أن يكون مستندا للرجل في اللعان كما ترى.
المسألة الرابعة: اعلم أن التحقيق: أن من قذف امرأة بالزنى قبل أن يتزوجها ثم تزوجها أنه لم يأت بأربعة شهداء على زناها أنه يجلد حد القذف، ولا يقبل منه اللعان، لأنها وقت القذف أجنبية محصنة داخلة في عموم قوله تعالى:
والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة
[النور: 4] الآية، والزواج الواقع بعد ذلك لا يغير الحكم الثابت قبله فما يروى عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، من أنه إن قذفها قبل الزواج، ثم تزوجها بعد القذف أنهما يلتعنان خلاف الظاهر عندنا من نص الآية الكريمة. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الخامسة: اعلم أن التحقيق أن الزوج إن قذف زوجته وأمها بالزنا، ولم يأت بالبينة أنه يحد للأم حد القذف، لأنه قذفها بالزنى وهي محصنة غير زوجة، فهي داخلة في عموم قوله تعالى:
والذين يرمون المحصنات
[النور: 4] الآية. وأما البنت فإنه يلاعنها، لأنه قذفها، وهي زوجة له، فتدخل في عموم قوله تعالى:
والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين
[النور: 6] إلى آخر آيات اللعان.
وبما ذكرنا تعلم أن قول بعض الأئمة: إنه إن حد للأم سقط حد البنت وإن لاعن البنت لم يسقط حد الأم، أنه خلاف التحقيق الذي دلت عليه آيات القرآن، وقد قال ابن العربي في القول المذكور: وهذا باطل جدا، فإنه خصص عموم الآية في البنت وهي زوجة بحد الأم من غير أثر ولا أصل قاسه عليه اه. وهو ظاهر.
المسألة السادسة: اعلم أن الذي يظهر لنا أنه الصواب أن من قذف زوجته بالزنى، ثم زنت قبل لعانه لها أنه لا حد عليه ولا لعان، لأنه تبين بزناها قبل اللعان انها غير محصنة، ولا لعان في قذف غير المحصنة، كما قدمنا أنه إن قذف أجنبية بالزنى، ثم زنت قبل أن يقام عليه الحد أن الظاهر لنا سقوط الحد، لأنه قد تبين بزناها أنها غير محصنة قبل استيفاء الحد، فلا يحد بقذف من ظهر أنها غير محصنة، وذكرنا الخلاف في ذلك.
وحجة من قال: يحد إن كانت أجنبية ويلاعن إن كانت زوجة أن الحد واللعان قد وجبا وقت القذف فلا يسقطان بالزنى الطارئ، وبينا ان الأظهر سقوط الحد واللعان، لتبين عدم الإحصان قبل الحد وقبل اللعان والعلم عند الله تعالى.
المسألة السابعة: اعلم أن من رمى زوجته الكبيرة التي لا تحمل لكبر سنها أنهما يلتعنان هو لدفع الحد، وهي لدرء العذاب: وأما إن رمى زوجته الصغيرة التي لا تحمل لصغرها، فقد قدمنا خلاف العلماء هل يلزمه حد القذف إن كانت صغيرة تطيق الوطء، ولم تبلغ؟ فعلى أنه يلزمه الحد يجب عليه أن يلتعن لدفع الحد، وأما على القول: بأنه لا حد في قذف الصغيرة مطلقا فلا لعان عليه في قذفها، وقد قدمنا الأظهر عندنا في ذلك. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثامنة: اعلم أنه إن نفى حمل زوجته فقد اختلف أهل العلم، هل له أن يلاعنها، وهي حامل لنفي ما في بطنها عنه، أو لا يجوز له اللعان حتى تضع الولد؟ فذهب جمهور أهل العلم: إلى أنه يلاعنها وهي حامل وينتفي عنه حملها باللعان. وقال ابن حجر في الفتح بعد أن ساق أحاديث اللعان: وفيه أن الحامل تلاعن قبل الوضع لقوله في الحديث