تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقول الشافعي ومالك ومن وافقهما في هذه المسألة أظهر عندنا لأن مسألة اللعان أصل مستقل لا يدخله القياس على غيره، فلا يعدل فيه عن ظاهر النص إلى القياس على مسألة أخرى. والعلم عند الله تعالى.

مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة

المسألة الأولى: اعلم أن اللعان لا يلزم بين الزوجين؛ إلا بقذف الرجل زوجته قذفا يوجب عليه الحد لو قاله لغير زوجة كرميها بالزنى، ونفي ولدها عنه، وقول الجمهور هنا: إنه يكفي في وجوب اللعان قذفها بالزنى من غير اشتراط أن يقول: رأيت بعيني، أظهر عندي مما روي عن مالك، من أنه لا يلزم اللعان، حتى يصرح برؤية العين، لأن القذف بالزنى كاف دون التصريح برؤية العين. وقول الملاعن في زمنه صلى الله عليه وسلم: رأت عيني وسمعت أذني، لا يدل على أنه لو اقتصر على أنها زنت، أن ذلك لا يكفي، دون اشتراط رؤية العين، وسماع الأذن كما لا يخفى، والعلم عند الله تعالى.

المسألة الثانية: اعلم أن العلماء اختلفوا في شهادات اللعان المذكورة في قوله:

فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله

[النور: 6] إلى آخر الآيات، هل هي شهادات أو أيمان على أربعة أقوال:

الأول: أنها شهادات لأن الله سماها في الآية شهادات.

والثاني: أنها أيمان.

الثالث: أنها أيمان مؤكدة بلفظ الشهادة.

والرابع: عكسه، وينبني على الخلاف في ذلك أن من قال: إنها شهادات لا يصح عنده اللعان، إلا ممن تجوز شهادته. فيشترط في الملاعن، والملاعنة العدالة وغيرها من شروط قبول الشهادة، ومن قال: إنها أيمان صح عنده اللعان من كل زوجين، ولو كانا لا تصح شهادتهما لفسق أو غيره من مسقطات قبول الشهادة، وينبني على الخلاف المذكور ما لو شهد مع الزوج ثلاثة عدول، فعلى أنها شهادة يكون الزوج رابع الشهود، فيجب عليها حد الزنى، وعلى أنها أيمان يحد الثلاثة ويلاعن الزوج.

وقيل: لا يحدون. وممن قال: بأنها شهادات وأن اللعان لا يصح إلا ممن تقبل شهادته، وأنها تحد بشهادة الثلاثة مع الزوج أبو حنيفة رحمه الله ومن تبعه، والأكثرون على أنها أيمان مؤكدة بلفظ الشهادة.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي: أنها أيمان مؤكدة بالشهادة، وأن لفظ الشهادة ربما أطلق في القرآن، مرادا بها اليمين، مع دلالة القرائن على ذلك، وإنما استظهرنا أنها أيمان لأمور.

الأول: التصريح في الآية بصيغة اليمين في قوله:

فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله

[النور: 6] لأن لفظة بالله يمين فدل قوله: بالله على أن المراد بالشهادة اليمين للتصريح بنص اليمين، فقوله: أشهد بالله في معنى: أقسم بالله.

الثاني: أن القرآن جاء فيه إطلاق شهادة وإرادة اليمين في قوله:

فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما

[المائدة: 107] ثم بين أن المراد بتلك الشهادة اليمين في قوله:

ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم

[المائدة: 108] فقوله: ﴿ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ [المائدة: 108] دليل على أن المراد بلفظ الشهادة في الآية اليمين، وهو واضح كما ترى.

وقال القرطبي: ومنه قوله تعالى:

إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله

[المنافقون: 1] الآية، لأن قوله تعالى:

اتخذوا أيمانهم جنة

[المنافقون: 2] يدل على أن المراد بشهادتهم الأيمان هكذا، قال، ولا يتعين عندي ما ذكره من الاستدلال بهذه الآية. والعلم عند الله تعالى.

الثالث: ما قاله ابن العربي: قال والفيصل أنها يمين لا شهادة، أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه وتخليصه من العذاب، وكيف يجوز لأحد أن يدعي في الشريعة أن شاهدا يشهد لنفسه بما يوجب حكما على غيره هذا بعيد في الأصل، معدوم في النظر.اه منه بواسطة نقل القرطبي.

وحاصل استدلاله هذا: أن استقراء الشريعة تاما، يدل على أنه لم يوجد فيها شهادة إنسان لنفسه بما يوجب حكما على غيره، وهو استدلال قوي، لأن المقرر في الأصول أن الاستقراء التام حجة كما أوضحناه مرارا، ودعوى الحنفية ومن وافقهم أن الزوج غير متهم لا يسوغ شهادته لنفسه، لإطلاق ظواهر النصوص في عدم قبول شهادة الإنسان لنفسه مطلقا.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٤١