وقال شمس الآئمة السرخسي: الأصح عندي أنه لا يعزر. وقيل: إن كان المنسوب إليه من الأشراف كالفقهاء والعلوية يعزر، لأنه يعد شيئا في حقه، وتلحقه الوحشة بذلك، وإن كان من العامة لا يعزر، وهذا أحسن ما قيل فيه، ومن الألفاظ التي لا توجب التعزير قوله: يا رستاقي ويا ابن الأسود، ويا ابن الحجام، وهو ليس كذلك. اه. من تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما الألفاظ التي ذكرنا عنهم أنها توجب التعزيير فوجوب التعزير بها كما ذكروا واضح لا إشكال فيه. وأما الألفاظ التي ذكرنا عنهم أنها لا تعزير فيها، فالأظهر عندنا أنه يجب فيها التعزير، لأنها كلها شتم وعيب، ولا يخفى أن من قال لإنسان: يا كلب، يا خنزير، يا حمار، يا تيس يا بقر إلى آخره، أن هذا شتم واضح لاخفاء به وليس مراده أن الإنسان كلب أو خنزير، ولكن مراده تشبيه الإنسان بالكلب والخنزير في الخسة والصفات الذميمة كما لا يخفى، فهو من نوع التشبيه الذي يسميه البلاغيون تشبيها بليغا ولا شك أن عاقلا قيل له: يا كلب، أو يا خنزير مثلا أن ذلك يؤذيه، ولا يشك أنه شتم، فهو أذى ظاهر وعليه فالظاهر التعزير في الألفاظ المذكورة.
وكونهم يسمون الرجل حمارا أو كلبا لا ينافي ذلك لأن من الناس من يسم ابنه باسم قبيح لا يرضى غيره أن يعاب به. والظاهر أنه إن قال لرجل: يا ابن الأسود، وليس أبوه ولا أحد من أجداده بأسود، أنه يلزمه الحد لأنه نفي لنسبه، وكذلك قوله: يا ابن الحجام إن لم يكن أبوه ولا أحد من أجداده حجاما فهو قذف، لأنه نفي لنسبه وإلصاق له بأسود أو حجام ليس بينه وبينه نسب كما هو قول المالكية ومن وافقهم.
وقال صاحب تبيين الحقائق: وتفسير القرطبان هو الذي يرى مع امرأته أو محرمه رجلا، فيدعه خاليا بها. وقيل: هو السبب للجمع بين اثنين لمعنى غير ممدوح. وقيل: هو الذي يبعث امرأته مع غلام بالغ أو مع مزارعه إلى الضيعة، أو يأذن لهما بالدخول عليها في غيبته اه منه.
وقال ابن قدامة في المغني: وإن قال لرجل: يا ديوث، أو يا كشخان: فقال أحمد: يعزر، وقال إبراهيم الحربي: الديوث الذي يدخل الرجال على امرأته. وقال ثعلب: القرطبان الذي يرضى أن يدخل الرجال على امرأته. وقال: القرنان والكشخان لم أرهما في كلام العرب، ومعناه عند العامة عند العامة مثل الديوث، أو قريب منه، فعلى القاذف به التعزير على قياس قوله في الديوث،لأنه قذفه بما لا حد فيه. وقال خالد بن يزيد، عن أبيه في الرجل يقول للرجل: يا قرنان إذا كان له أخوات، أو بنات في الإسلام ضرب الحد، يعني أنه قاذف لهن. وقال خالد عن أبيه: القرنان عند العامة من له بنات والكشخان: من له أخوات يعني والله أعلم إذا كان يدخل الرجال عليهن، والقواد عند العامة السمسار في الزنى والقذف بذلك كله يوجب التعزير، لأنه قذف بما لا يوجب الحد اه. من المغني. وقال في المغني أيضا المنصوص عن أحمد فيمن قال: يا معفوج أن عليه الحد، وظاهر كلام الخرقي يقتضي أن يرجع إلى تفسيره، فإن فسر بغير الفاحشة مثل أن يقول: أردت يا مفلوج أو يا مصابا دون الفرج ونحو هذا، فلا حد عليه، لأنه فسره بما لا حد فيه. وإن فسره بعمل قوم لوط فعليه الحد كما لو صرح به، وقال صاحب القاموس القرنان: الديوث المشارك في قرينته لزوجته اه. منه وقال في القاموس أيضا: القرطبان بالفتح الديوث، والذي لا غير له أو القواد اه. منه وقال في القاموس: والتديث القيادة، وفي القاموس تحت الخط لا بين قوسين الكشخان ويكسر: الديوث وكشخه تكشيخا وكشخنة: قال له: يا كشخان اه. منه. وهو بالخاء المعجمة وقال الجوهري في صحاحه: والديوث وهو الذي لا غيرة له اه. منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر أن التحقيق في جميع الألفاظ المذكورة التي ذكرنا كلام العلماء فيها أنها تتبع العرف الجاري في البلد الذي قيلت فيه، فإن كان من عرفهم أن المراد بها الشتم بما لا يوجب الحد وجب التعزير، لأجل الأذى ولا حد، وإن كان عرفهم أنها يراد بها الشتم بالزنى، أو نفي النسب، وكان ذلك معروفا أنه هو المقصود عرفا، وجب الحد، لأن العرف متبع في نحو ذلك.