تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال صاحب تبيين الحقائق: وروي عن ابن عباس أنه سئل عن رجل لرجل من قريش: يا نبطي، فقال لا حد عليه اه. وكذلك لا يحد عند أبي حنيفة من قال لرجل: يا ابن ماء السماء أو نسبه إلى عمه أو خاله، خلافا للمالكية، ومن وافقهم القائلين بحد من نسبه لعمه، ونحوه أو زوج أمه الذي هو ربيبه، لأن العم والخال كلاهما كالأب في الشفقة، وقد يريد التشبيه بالأب في المحبة والشفقة، وقوله: ابن ماء السماء، فإنه قد يراد به التشبيه في الجود والسماحة والصفاء، قالوا: وكان عامر بن حارثة: يلقب بماء السماء لكرمه، وأنه يقيم ماله في القحط مقام المطر. قالوا: وسميت أم المنذر بن امرئ القيس بماء السماء، لحسنها وجمالها. وقيل لأولادها: بنو ماء السماء وهم ملوك العراق اه. وإن نسبه لجده فلا حد عليه عند أبي حنيفة، ولا ينبغي أن يختلف في ذلك لصحة نسبته إلى جده كما هو واقع بكثرة على مر الأزمنة من غير نكير اه.

ومذهب الإمام أحمد: أنه إن نفاه عن أمه فلا حد عليه.

واختلف عنه فيمن نفى رجلا عن قبيلته أو نسب جنسا لغيره. قال ابن قدامة في المغني: وإذا نفى رجلا عن أبيه، فعليه الحد نص عليه أحمد، وكذلك إذا نفاه عن قبيلته وبهذا قال إبراهيم النخعي، وإسحاق. وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وحماد. اه.

وقد علمت الخلاف عن أبي حنيفة والمشهور عنه بما ذكرناه قريبا، ثم قال ابن قدامة في المغني: والقياس يقتضي ألا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته، ولأن ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا، فأشبه ما لو قال لأعجمي: إنك عربي، لو قال للعربي: أنت نبطي أو فارسي فلا حد عليه، وعليه التعزير نص عليه أحمد، لأنه يحتمل أنك نبطي اللسان أو الطبع. وحكى عن أحمد رواية أخرى أن عليه الحد كما لو نفاه عن أبيه والأول أصح، وبه قال مالك، والشافعي، لأنه يحتمل غير القذف كثيرا فلا يتعين صرفه إليه، ومتى فسر شيئا من ذلك بالقذف فهو قاذف اه. من المغني.

وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذا فاعلم أن المسألة ليست فيها نصوص من الوحي، والظاهر أن ما احتمل غير القذف من ذلك لا يحد صاحبه لأن الحدود تدرأ بالشبهات واحتمال الكلام غير القذف لا يقل عن شبهة قوية. وقد ذكر ابن قدامة في المغني أن الأشعث بن قيس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول

" لا أوتي برجل يقول: إن قريشا ليست من كنانة إلا جلدته "

اه. وانظر إسناده.

المسألة الثالثة والعشرون: في أحكام كلمات متفرقة كمن قال لرجل: يا قرنان، أو يا ديوث، أو يا كشخان، أو يا قرطبان، أو يا معفوج، أو يا قواد، أو يا ابن منزلة الركبان، أو يا ابن ذات الرايات، أو يا مخنث. أو قال لامرأة: يا قحبة.

اعلم أن أهل العلم اختلفوا في هذه العبارات المذكورة فمذهب مالك: هو أن من قال لرجل يا قرنان لزمه حد القذف لزوجته إن طلبته، لأن القرنان عند الناس زوج الفاعلة، وكذلك من قال لامرأة: يا قحبة لزمه الحد عند المالكية، وكذلك من قال: يا ابن منزلة الركبان، أو يا ابن ذات الرايات. كل ذلك فيه حد القذف عند المالكية، كما تقدمت الإشارة إليه، قالوا لأن الزانية في الجاهلية كانت تنزل الركبان، وتجعل على بابها راية، وكذلك لو قال له: يا مخنث لزمه الحد، إن لم يحلف أنه لم يرد قذفا، فإن حلف أنه لم يرده أدب، ولم يحد. قاله في المدونة، وإن قال له: يا ابن الفاسقة أو يا ابن الفاجرة، أو يا فاجر، أو يا حمار ابن الحمار، أو يا كلب، أو يا ثور، أو يا خنزير.

ونحو ذلك فلا حد عليه، ولكنه يعزر تعزيرا رادعا حسبما يراه الإمام، ومذهب أبي حنيفة: أنه قال له يا فاسق، يا كافر، يا خبيث، يا لص يا فاجر يا منافق، يا لوطي يا من يلعب بالصبيان، يا آكل الربا يا شارب الخمر، يا ديوث، يا مخنث، يا خائن، يا ابن القحبة، يا زنديق، يا قرطبان، يا مأوى الزواني أو اللصوص، يا حرام. أنه لا حد عليه في شيء من هذه الألفاظ، وعليه التعزير، وآكد التعزير عند الحنفية تسعة وثلاثون سوطا، وأما لو قال له: يا كلب، يا تيس، يا حمار، يا خنزير، يا بقر، يا حية يا حجام، يا ببغاء يا مؤاجر، يا ولد الحرام، يا عيار، يا ناكس، يا مكنوس، يا سخرة يا ضحكة يا كشخان، يا أبله، يا مسوس، فلا شيء عليه في شيء من هذه الألفاظ عند الحنفية، ولا يعزر بها. قال صاحب تبيين الحقائق: لا يعزر بهذه الألفاظ كلها لأن من عادتهم إطلاق الحمار ونحوه بمعنى البلادة والحرص أو نحو ذلك، ولا يريدون به الشتيمة، ألا ترى يسمون به ويقولون: عياض بن حمار، وسفيان الثوري، وأبو ثور وجمل، ولأن المقذوف لا يلحقه شين بهذا الكلام، وإنما يلحق القاذف. وكل أحد يعلم أنه آدمي، وليس بكلب ولا حمار وأن القذف كاذب في ذلك. وحكى الهندواني أنه يعزر في زماننا في مثل قوله: يا كلب يا خنزير، لأنه يراد به الشتم في عرفنا.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٣٤