تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي فيمن قال لذكر: يا زانية بصيغة التأنيث، أو قال لامرأة: يا زاني بصيغة التذكير، أنه يلزمه الحد.

وإيضاحه أن القاذف بالعبارتين المذكورتين لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون عاميا، لا يعرف العربية أو يكون له علم باللغة العربية، فإن كان عاميا فقد يكون غير عالم بالفرق بين العبارتين، ونداؤه للشخص بلفظ الزنى ظاهر في قصده قذفه، وإن كان عالما باللغة، فاللغة يكثر فيها إطلاق وصف الذكر على الأنثى باعتبار كونها شخصا.

وقد قدمنا بعض أمثلة ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله:

وتستخرجوا منه حلية تلبسونها

[النحل: 14]، ومما ذكرنا من الشواهد هناك قول حسان رضي الله عنه:

منع النوم بالعشاء الهموم

وخيال إذا تغار النجوم

من حبيب أصاب قلبك منه

سقم فهو داخل مكتوم

ومراده بالحبيب أنثى بدليل قوله بعده:

لم تفتها شمس النهار بشيء

غير أن الشباب ليس يدوم

وقول كثير:

لئن كان يرد الماء هيمان صاديا

إلى حبيبا إنها لحبيب

ومن أمثلة ذلك قول مليح بن الحكم الهذلي:

ولكن ليلى أهلكتني بقولها

نعم ثم ليلى الماطل المتبلح

يعني ليلى الشخص الماطل المتبلح.

وقول عمرة بن حزام العذري:

وعفراء أرجى الناس عندي مودة

وعفراء عني المعرض المتواني

أي الشخص المعرض.

وإذا كثر في كلام العرب تذكير وصف الأنثى باعتبار الشخص كما رأيت أمثلته، فكذلك لا مانع من تأنيثهم صفة الذكر باعتبار النسمة أو النفس، وورود ذلك لتأنيث اللفظ مع تذكير المعنى معروف كقوله:

أبوك خليفة ولدته أخرى

وأنت خليفة ذاك الكمال

المسألة الثامنة عشرة: اعلم أن من رمى رجلا قد ثبت عليه الزنى سابقا أو امرأة، قد ثبت عليها الزنى سابقا ببينة، أو إقرار، فلا حد عليه، لأنه صادق، ولأن إحصان المقذوف قد زال بالزنى، ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ الآية. فهو يدل بمفهومه أن من رمى غير محصنة لا حد عليه، وهو كذلك، ولكنه يلزم تعزيره، لأنه رماه بفاحشة ولم يثبتها، ولا يترك عرض من ثبت عليه الزنى سابقا مباحا لكل من شاء أن يرميه بالزنى دون عقوبة رادعة كما ترى.

المسألة التاسعة عشرة: اعلم أن الإنسان إذا كان مشركا وزنى في شركة أو كان مجوسيا، ونكح أمه أو ابنته مثلا في حال كونه مجوسيا، ثم أسلم بعد ذلك فرماه أحد بالزنى بعد إسلامه فله ثلاث حالات:

الأولى: أن يقول له: يا من زنى في أيام شركه أو يا من نكح أمه مثلا في أيامه مجوسيا، وهذه الصورة لا حد فيها لأن صاحبها أخبر بحق والإسلام يجب ما قبله.

الثانية: أن يقول له: يا من زنى بعد إسلامه أو نكح أمه بعد إسلامه، فعليه الحد كما لا يخفى.

الثالثة: أن يقول له: يا زاني، ولم يتعرض لكون ذلك قبل إسلامه، أو بعده فإن فسره بأنه أراد أنه زنى بعد إسلامه، فعليه الحد، وإن قال: أردت بذلك زناه في زمن شركه، فهل يقبل منه هذا التفسير، ويسقط عنه الحد، أو لا يقبل ذلك منه، ويقام عليه الحد. اختلف العلماء في ذلك، وممن قال بأنه يحد ولا يلتفت إلى تفسيره ذلك: مالك وأصحابه، وصرح به الخرقي من الحنابلة. وقال ابن قدامة في المغني: لا حد عليه، وخالف في ذلك الخرقي في شرحه لقول الخرقي: ومن قذف من كان مشركا وقال: أردت أنه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى قوله، وحد القاذف إذا طلب المقذوف، وكذلك من كان عبدا. انتهى.

المسألة العشرون: اعلم أن من قذف بنتا غير بالغ بالزنى، أو قذف به ذكرا غير بالغ فقد اختلف أهل العلم، هل يجب على القاذف الحد أو لا يجب عليه؟ وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير الآية التي نحن بصددها: إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قاذفا عند مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: ليس بقذف، لأنه ليس بزنى إذ لا حد عليها ويعزر. قال ابن العربي: والمسألة محتملة مشكلة لكن مالك غلب حماية عرض المقذوف، وغيره راعى حماية ظهر القاذف، وحماية عرض المقذوف أولى، لأن القاذف كشف ستره بطرف فلزمه الحد.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٣٢