تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى

[يونس: 35] وقال تعالى:

فأي الفريقين أحق بالأمن

[الأنعام: 81] وقال لوط:

بناتي هن أطهر لكم

[هود: 78] أي من أدبار الرجال، ولا طهارة فيها لا ينبغي التعويل عليه كما أنه هو ساقه، ولم يعول عليه.

وحاصل الاحتجاج المذكور: أن صيغة التفضيل قد ترد مرادا بها مطلق الوصف، لا حصول التفضيل بين شيئين، ومثل له هو بكلمة: أحق أن يتبع وكلمة: أحق بالأمن، وكلمة: أطهر لكم، لأن صيغة التفضيل في الآيات المذكورة لمطلق الوصف لا للتفضيل.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يخفى أن صيغة التفضيل قد ترد لمطلق الوصف كما هو معلوم، ومن أمثلته الآيات التي ذكرها صاحب المغني، ولكنها لا تحمل على غير التفضيل، إلا بدليل خارج يقتضي ذلك والآيات التي ذكر معلوم أنها لا يمكن أن تكون للتفضيل، لأن الأصنام لا نصيب لها من أحقية الاتباع أصلا في قوله:

أحق أن يتبع أمن لا يهدي

[يونس: 35] ولأن الكفار لا نصيب لهم في الأحقية بالأمن، ولأن أدبار الرجال لا نصيب لها في الطهارة.

ومن أمثلة ورود صيغة التفضيل لمطلق الوصف أيضا قوله تعالى:

وهو أهون عليه

[الروم: 27] أي هين سهل عليه، وقول الشنفرى:

وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن

بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل

أي لم أكن بالعجل منهم وقول الفرزدق:

إن الذي سمك السماء بنى لنا

بيتا دعائمه أعز وأطول

أي عزيزة طويلة. وقول معن بن أوس:

لعمرك ما أدري وإني لأوجل

على أينا تعدو المنية أول

أي لوجل. وقول الأحوص بن محمد الأنصاري:

أني لأمنحك الصدود وإنني

قسما إليك مع الصدود لأميل

أي لمائل. وقول الآخر:

تمنى رجال أن أموت وإن أمت

فتلك سبيل لست فيها بأوحد

أي بواحد. وقال الآخر:

لعمرك إن الزبرقان لباذل

لمعروفه عند السنين وأفضل

أي وفاضل. إلى غير ذلك من الشواهد، ولكن قدمنا أنها لا تحمل على مطلق الوصف، إلا لدليل خارج، أو قرينة واضحة تدل على ذلك.

وقوله له: أنت أزنى من فلان ليس هناك قرينة، ولا دليل صارف لصيغة التفضيل، عن أصلها، فوجب إبقاؤها على أصلها، وحد القاذف، لكل واحد منهما والإتيان بلفظة من في قوله: أنت أزنى من فلان، يوضح صراحة الصيغة في التفضيل، والعلم عند الله تعالى.

المسألة السادسة عشر: اعلم أنه لا يجوز رمي الملاعنة بالزنى، ولا رمي ولدها بأنه ابن زنى، ومن رمى أحدهما فعليه الحد، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه، لأنه لم يثبت عليها زنى، ولا على ولدها أنه ابن زنى، وإنما انتفى نسبه عن الزوج بلعانه.

وفي سنن أبي داود حدثنا الحسن بن علي، ثنا يزيد بن هارون، ثنا عباد بن منصور عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فجاء من أرضه عشيا فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينه وسمع بأذنه الحديث وفيه ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى ألا يدعي ولدها لأب، ولا ترمى ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد إلى آخر الحديث. وفي هذا الحديث: التصريح بأن من رماها أو رمى ولدها فعليه الحد.

واعلم أن ما نقله الشيخ الحطاب عن بعض علماء المالكية من أن من قال لابن ملاعنة: لست لأبيك الذي لاعن أمك، فعليه الحد خلاف التحقيق، لأن الزوج الملاعن ينتفي عنه نسب الولد باللعان، فنفيه عنه حق مطابق للواقع، ولذا لا يتوارثان ومن قال كلاما حقا، فإنه لا يستوجب الحد بذلك، كما لو قال له: يا من نفاه زوج أمه أو يابن ملاعنة أو يابن من لوعنت، وإنما يجب الحد على قاذفه فيما لو قال له: أنت ابن زنى ونحوها من صريح القذف، والعلم عند الله تعالى.

المسألة السابعة عشرة: في حكم ما لو قال لرجل يا زانية بتاء الفرق، أو قال لامرأة يا زاني بلا تاء. قال ابن قدامة في المغني. هو قذف صريح لكل منهما قال: واختار هذا أبو بكر، وهو مذهب الشافعي، واختار ابن حامد أنه ليس بقذف إلا أن يفسره، وهو قول أبي حنيفة، لأنه يحتمل أن يريد بقوله يا زانية أي يا علامة في الزنا. كما يقال للعالم: علامة، ولكثير الرواية راوية ولكثير الحفظ حفظة، ولنا أن ما كان قذفا لأحد الجنسين كان قذفا للآخر كقوله زنيت بفتح التاء وكسرها لهما جميعا ولأن هذا اللفظ خطاب لهما وإشارة إليهما بلفظ الزنا، وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها، ولذلك لو قال للمرأة: يا شخصا زانيا، وللرجل: يا نسمة زانية كان قاذفا. وقولهم إنه يريد بذلك أنه علامة في الزنا لا يصح فإنما كان اسما للفعل، إذا دخلته الهاء كانت للمبالغة، كقولهم: حفظة للمبالغ في الحفظ وراوية للمبالغ في الرواية، وكذلك همزة لمزة وصرعة، ولأن كثيرا من الناس يذكر المؤنث ويؤنث المذكر، ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مرادا بما يراد باللفظ الصحيح. انتهى كلام صاحب المغني.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٣١