تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

لأنه شبهه بالنساء في أنهن يطعمن ويسقين ويكسون ومثل هذا كثير، ومنه قول الحطيئة أو النجاشي:

قبيلة لا يخفرون بذمة

ولا يظلمون الناس حبة خردل

فإنه يروى أن عمر لما سمع هذا الهجاء حمله على المدح، وقال: ليت آل الخطاب كانوا كذلك ولما قال الشاعر بعد ذلك:

ولا يردون الماء إلا عشية

إذا صدر الوراد عن كل منهل

قال عمر أيضا: ليت آل الخطاب كانوا كذلك، فظاهر هذا الشعر يشبه المدح، ولذا ذكروا أن عمر تمنى ما فيه من الهجاء لأهل بيته، لأن عنده مدح وصاحبه يريد الذم بلا نزاع، ويدل على ذلك أول شعره وآخره، لأن أول الأبيات قوله:

إذا الله عادى أهل لؤم وذلة

فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل

قبيلة لا يخفرون...

وفي آخر شعره:

وما سمى العجلان إلا لقوله

خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل

وكون مثل هذا من التعريض بالذم لا شك فيه. وقول الحطيئة:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها

يهجو به الزبرقان بن بدر التميمي، كما ذكره بعض المؤرخين، وما ذكره القرطبي رحمه الله في الكلام الذي نقلنا عنه من أن البهتان العظيم الذي قالوه على مريم: هو تعريضهم لها بقوله

ما كان أبوك امرأ سوء

[مريم: 28] الآية لا يتعين بانفراده، لأن الله جل وعلا ذكر عنهم أنهم قالوا لها غير ذلك وهو أقرب للتصريح بالفاحشة مما ذكره القرطبي وذلك في قوله تعالى:

فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد جئت شيئا فريا

[مريم: 27] فقولهم لها ﴿ لقد جئت شيئا فريا ﴾ في وقت مجيئها بالولد تحمله ظاهر جدا في إرادتهم قذفها كما ترى، والكلام الذي ذكر ابن قدامة: أن عثمان جلد الحد فيه وهو قول الرجل لصاحبه: يا بن شامة الوذرة. قال فيه الجوهري في صحاحه: الوذرة بالتسكين الغدرة، وهي القطعة من اللحم إذا كانت مجتمعة، ومنه قولهم: يا بن شامة الوذرة وهي كلمة قذف وكانت العرب تتساب بها كما كانت تتساب بقولهم: يا بن ملقي أرحل الركبان، أو يا بن ذات الرايات ونحوها، والجمع وذر مثل تمرة وتمر. اه. من صحاح الجوهري.

والشامة بتشديد الميم اسم فاعل شمه. وقال صاحب اللسان: وفي حديث عثمان رضي الله عنه أنه رفع إليه رجل قال لرجل: يا ابن شامة الوذر، فحده وهو من سباب العرب وذمهم، وإنما أراد يا ابن شامة المذاكير يعنون الزنا، كأنها كانت تشم كمرا مختلفة فكنى عنه، والذكر قطعة من بدن صاحبه، وقيل: أرادوا بها القلف جمع قلفة الذكر، لأنها تقطع.

انتهى محل الغرض من لسان العرب. وهذا لا يتضح منه قصد الزنا ولم أر من أوضح معنى شامة الوذر إيضاحا شافيا، لأن شم كمر الرجال ليس من الأمر المعهود الواضح.

والذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن قائل الكلام المذكور يشبه من يعرض لها بالزنا بسفاد الحيوانات، لأن الذكر من غالب الحيوانات إذا أراد سفاد الأنثى شم فرجها،واستنشق ريحه استنشاقا شديدا، ثم بعد ذلك ينزوا عليها فيسافدها فكأنهم يزعمون أن المرأة تشم ذكر الرجل كما يشم الفحل من الحيوانات فرج أثناه، وشمها لمذاكير الرجال كأنه مقدمة للمواقعة، فكنوا عن المواقعة بشم المذاكير، وعبروا عن ذكر الرجل بالوذرة، لأنه قطعة من بدن صاحبه كقطعة اللحم، ويحتمل أنهم أرادوا كثرة ملابستها لذلك الأمر، حتى صارت كأنها تشم ريح ذلك الموضع والعلم عند الله تعالى.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد علمت مما ذكرنا أقوال أهل العلم، وحججهم في التعريض بالقذف، هل يلزم به الحد أو لا يلزم به.

وأظهر القولين عندي: أن التعريض إذا كان يفهم منه معنى القذف فهما واضحا من القرائن أن صاحبه يحد، لأن الجناية على عرض المسلم تتحقق بكل ما يفهم منه ذلك فهما واضحا، لئلا يتذرع بعض الناس لقذف بعضهم بألفاظ التعريض التي يفهم منها القذف بالزنا والظاهر أنه على قول من قال من أهل العلم: إن التعريض بالقذف لا يوجب الحد أنه لا بد من تعزير المعرض بالقذف للأذى الذي صدر منه لصاحبه بالتعريض. والعلم عند الله تعالى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٢٦