تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" في الرجل الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: إن امرأتي ولدت غلاما أسود وهو تعريض بنفيه، ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا قذفا، ولم يدعهما للعان بل قال للرجل ألك إبل؟ قال نعم: قال: فما ألوانها؟ قال: حمر قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقا قال: ومن أين جاءها ذلك؟ قال لعل عرقا نزعه قال: وهذا الغلام الأسود لعل غرقا نزعه "

قالوا: ولأن التعريض محتمل لمعنى آخر غير القذف، وكل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفا هذا هو حاصل حجة من قالوا: بأن التعريض بالقذف، لا يوجب الحد وإنما يجب الحد بالتصريح بالقذف.

وذهبت جماعة آخرون من أهل العلم: إلى أن التعريض بالقذف يجب به الحد، وهو مذهب مالك وأصحابه، وقال ابن قدامة في المغني: وروى الأثرم وغيره، عن الإمام أحمد أن عليه الحد يعني المعرض بالقذف، قال: وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه، وبه قال إسحاق إلى أن قال: وقال معمر: إن عمر كان يجلد الحد في التعريض.

اه.

واحتج أهل هذا القول بأدلة منها ما ذكره القرطبي، قال: والدليل لما قاله مالك: هو أن موضوع الحد في القذف، إنما هو لأزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، وإذا حصلت المعرة بالتعريض، وجب أن يكون قذفا كالتصريح والمعول على الفهم، وقد قال تعالى مخبرا عن قوم شعيب أنهم قالوا له:

إنك لأنت الحليم الرشيد

[هود: 87] أي السفينه الضال، فعرضوا له بالسب بكلام ظاهره المدح في أحد التأويلات حسب ما تقدم في سورة هود، وقال تعالى في أبي جهل

ذق إنك أنت العزيز الكريم

[الدخان: 49]، وقال تعالى في الذين قذفوا مريم: إنهم قالوا:

يأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا

[مريم: 28] فمدحوا أباها، ونفوا عن أمها البغاء أي الزنى وعرضوا لمريم بذلك ولذلك قال تعالى:

وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما

[النساء: 156] وكفرهم معروف والبهتان العظيم هو التعريض لها أي ما كان أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغيا: أي أنت بخلافهما وقد أتيت بهذا الولد، وقال تعالى:

قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين

[سبأ: 24] فهذا اللفظ قد فهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدى، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهدى، ففهم من هذا التعريض ما يفهم من صريحه اه. محل الغرض من كلام القرطبي مع تصرف قليل لإيضاح المراد.

وحاصل كلام القرطبي المذكور: أن من أدلة القائلين بوجوب الحد بالتعريض آيات قرآنية، وبين وجه دلالتها على ذلك كما رأيته، وذكر أن من أدلتهم أن المعرة اللاحقة للمقذوف صريحا تلحقه بالتعريض له بالقذف، ولذلك يلزم استواؤهما، وذكر أن من أدلتهم أن المعول على الفهم، والتعريض يفهم منه القذف فيلزم أن يكون كالصريح.

ومن أدلتهم على أن التعريض يجب به الحد بعض الآثار المروية عن بعض الخلفاء الراشدين. قال ابن قدامة في المغني: لأن عمر رضي الله عنه حين شاورهم في الذي قال لصاحبه: ما أنا بزان، ولا أمي بزانية: فقالوا: قد مدح أباه وأمه:فقال عمر: قد عرض بصاحبه وجلده الحد. وقال معمر: إن عمر كان يجلد الحد في التعريض. وروى الأثرم: أن عثمان رضي الله عنه جلد رجلا قال لآخر: يا ابن شامة الوذر يعرض له بزنى أمه، والوذر: عذر اللحم يعرض له بكمر الرجال وانظر أسانيد هذه الآثار.

ومن أدلة أهل هذا القول أن الكناية مع القرينة الصارفة إلى أحد محتملاتها، كالصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى ولذلك وقع الطلاق بالكناية، فإن لم يكن ذلك في حال الخصومة، ولا وجدت قرينة تصرف إلى القذف، فلا شك في أنه لا يكون قذفا.

انتهى من المغني.

ثم قال صاحب المغني: وذكر أبو بكر عبد العزيز: أن أبا عبد الله رجع عن القول بوجوب الحد في التعريض، يعني بأبي عبد الله الإمام أحمد رحمه الله. وقال القرطبي رحمه الله: وقد حبس عمر رضي الله عنه الحطيئة لما قال:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٢٥