تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة: إن الاستثناء في الآية راجع أيضا لقوله ﴿ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ﴾ وأن القاذف إذا تاب وأصلح قبلت شهادته. أما قوله ﴿ فاجلدوهم ثمانين جلدة ﴾ فلا يرجع له الاستثناء، لأن القاذف إذا تاب وأصلح، لا يسقط عنه حد القذف بالتوبة.

فتحصل أن الجملة الأخيرة التي هي قوله ﴿ وأولئك هم الفاسقون ﴾ يرجع لها الاستثناء بلا خلاف، وأن الجلمة الأولى التي هي ﴿ فاجلدوهم ثمانين جلدة ﴾ لا يرجع له الاستثناء في قول عامة أهل العلم، ولم يخالف إلا من شذ، وأن الجملة الوسطى، وهي قوله ﴿ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ﴾ يرجع لها الاستثناء في قول جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة خلافا لأبي حنيفة، وقد ذكرنا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آية الكتاب، أن الذي يظهر لنا في مسألة الاستثناء بعد جمل متعاطفات أو مفردات متعاطفات هو ما ذكره بعض المتأخرين، كابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية، والآمدي من الحنابلة من أن الحكم في الاستثناء، الآتي بعد متعاطفات هو الوقف، ولا يحكم برجوعه إلى الجميع، ولا إلى الأخيرة إلا بدليل.

وإنما قلنا: إن هذا هو الأظهر لأن الله تعالى يقول:

فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول

[النساء: 59] الآية.

وإذا رددنا النزاع في هذه المسألة إلى الله وجدنا القرآن دالا على ما ذكرنا أنه الأظهر عندنا، وهو الوقف. وذلك لأن بعض الآيات لم يرجع فيها الاستثناء للأولى وبعضها لم يرجع فيه الاستثناء للأخيرة، فدل ذلك على أن رجوعه لما قبله ليس شيئا مطردا.

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى

فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا

[النساء: 92]، فالاستثناء في هذه الآية راجع للدية فقط، لأن المطالبة بها تسقط بتصدق مستحقها بها، ولا يرجع لتحرير الرقبة إجماعا، لأن تصدق مستحقي الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ.

ومن أمثلة ذلك آية النور هذه، لأن الاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ لا يرجع لقوله: ﴿ فاجلدوهم ثمانين جلدة ﴾ كما ذكرنا آنفا.

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى

فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق

[النساء: 89-90]، فالاستثناء في قوله: ﴿ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ لا يرجع إلى الجملة الأخيرة التي هي أقرب الجمل المذكورة إليه أعني قوله تعالى ﴿ ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ﴾ إذ لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار، ولو وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، وهذا لا خلاف فيه بل الاستثناء راجع إلى الجملتين الأوليين أعني قوله تعالى ﴿ فخذوهم واقتلوهم ﴾ [النساء: 89]، أي فخذوهم بالأسر، واقتلوهم إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، فليس لكم أخذهم بأسر، ولا قتلهم، لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم، وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذه الآية نزلت فيه، وفي سراقة بن مالك المدلجي، وفي بني جذيمة بن عامر. وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع إلى أقرب الجمل إليه في القرآن العظيم الذي هو في الطرف الأعلى من الإعجاز، تبين أنه لم يلزم رجوعه للجميع، ولا إلى الأخيرة، وأن الأظهر الوقف حتى يعلم ما يرجع إليه من المتعاطفات قبله بدليل، ولا يبعد أنه إن تجرد من القرائن والأدلة، كان ظاهرا في رجوعه للجميع.

وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، ولذلك اختصرناه هنا.

والعلم عند الله تعالى.

المسألة الثالثة: اعلم أن من قذف إنسانا بغير الزنى أو نفي النسب كأن يقول له: يا فاسق، أو آكل الربى، ونحو ذلك من أنواع السب يلزمه التعزير، وذلك بما يراه الإمام رادعا له، ولأمثاله من العقوبة من غير تحديد شيء في ذلك من جهة الشرع. وقال بعض أهل العلم: لا يبلغ بالتعزير قدر الحد. وقال بعض العلماء: إن التعزير بحسب اجتهاد الإمام فيما يراه رادعا مطلقا. والعلم عند الله تعالى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٥٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٥٢٣