ووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية بكونهن غافلات ثناء عليهن بأنهن سليمات الصدور نقيات القلوب لا تخطر الريبة في قلوبهن لحسن سرائرهن، ليس فيهن دهاء ولا مكر، لأنهن لم يجربن الأمور فلا يفطن لما تفطن له المجربات ذوات المكر والدهاء، وهذا النوع من سلامة الصدور وصفائها من الريبة من أحسن الثناء، وتطلق العرب على المتصفات به اسم البله مدحا لها لاذما، ومنه قول حسان رضي الله عنه:
نفج الحقيبة بوصها متنضد
بلهاء غير وشيكة الإقسام
وقول الآخر:
ولقد لهوت بطلفة ميالة
بلهاء تطلعني على أسرارها
وقول الآخر:
عهدت بها هندا وهند غريرة
عن الفحش بلهاء العشاء نؤم
رداح الضحى ميالة بحترية
لها منطق يصبي الحليم رخيم
والظاهر أن قوله تعالى
لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون
[النور: 2324] محله فيما إذا لم يتوبوا ويصلحوا، فإن تابوا وأصحلوا، لم ينلهم شيء من ذلك الوعيد، ويدل له قوله تعالى ﴿ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء ﴾ [النور: 4] إلى قوله ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ [النور: 5].
وعمومات نصوص الكتاب والسنة دالة على أن من تاب إلى الله من ذنبه توبة نصوحا تقبلها منه، وكفر عنه ذنبه ولو من الكبائر، وبه تعلم أن قول جماعة من أجلاء المفسرين إن آية ﴿ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء ﴾ التي جعل الله فيها التوبة بقوله ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ عامة، وأن آية
إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة
[النور: 23] الآية. خاصة بالذين رموا عائشة رضي الله عنها أو غيرها من خصوص أزواجه صلى الله عليه وسلم، وأن من رماهن لا توبة له خلاف التحقيق.
والعلم عند الله تعالى.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: لا يخفى أن الآية إنما نصت على قذف الذكور للإناث خاصة، لأن ذلك هو صريح قوله ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ وقد أجمع جميع المسلمين على أن قذف الذكور للذكور، أو الإناث للإناث، أو الإناث للذكور لا فرق بينه وبين ما نصت عليه الآية، من قذف الذكور للإناث، للجزم بنفي الفارق بين الجميع.
وقد قدمنا إيضاح هذا وإبطال قول الظاهرية فيه، مع إيضاح كثير من نظائره في سورة الأنبياء في كلامنا الطويل على آية
وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث
[الأنبياء: 78] الآية.
المسألة الثانية: اعلم أن المقرر في أصول المالكية، والشافعية والحنابلة أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات، أو مفردات متعاطفات، أنه لجميعها إلا لدليل من نقل أو عقل يخصصه ببعضها، خلافا لأبي حنيفة القائل: برجوع الاستثناء للجملة الأخيرة فقط، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:
وكل ما يكون فيه العطف
من قبل الاستثنا فكلا يقفو
دون دليل العقل أو ذي السمع
والحق الافتراق دون الجمع
ولذا لو قال إنسان: هذه الدار وقف على الفقراء والمساكين، وبني زهرة، وبني تميم إلا الفاسق منهم، فإنه يخرج من الوقف الفاسق من الجميع لرجوع الاستثناء للجميع، خلافا لأبي حنيفة القائل: برجوعه للأخيرة، فلا يخرج عنده إلا فاسق الأخيرة فقط، ولأجل ذلك لا يرجع عنده الاستثناء في هذه الآية، إلا للجملة الأخيرة التي هي ﴿ وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا ﴾ فقد زال عنهم الفسق ولا يقول: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم، بل يقول: إن شهادة القاذف لا تقبل أبدا، ولو تاب وأصلح، وصار أعدل أهل زمانه لرجوع الاستثناء عنده للجملة الأخيرة.
وممن قال كقول أبي حنيفة من أهل العلم: القاضي شريح، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر، وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته إلا إذا اعترف على نفسه بالكذب. قاله ابن كثير.