تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.118

قوله ﴿ وعلى الثلثة الذين خلفوا ﴾ يعني وتاب على الثلاثة وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال ابن أمية. قال الفقيه: سمعت أبي رحمه الله يذكر بإسناده عن معمر عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: لم أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك إلا بدرا، فلم يعاتب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدا تخلف عن بدر، إنما خرج يريد العير فخرجت قريش معينين لعيرهم فالتقوا على غير موعد. ثم لم أتخلف عن غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها. فأذن للناس بالرحيل وأراد أن يتأهبوا أهبة غزوتهم وذلك حين طابت الظلال وطابت الثمار. وكان كل ما أراد غزوة إلا ورى بغيرها. وكان يقول الحرب خدعة. فأراد في غزوة تبوك أن يتأهب الناس أهبتهم. وأنا أيسر ما كنت، قد جمعت راحلتين. وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد وخفة الحال وأنا في ذلك أصبو إلى الظلال وطيب الثمار فلم أزل كذلك حتى قام النبي - صلى الله عليه وسلم - غازيا، بالغداة وذلك يوم الخميس وكان يحب أن يخرج الناس يوم الخميس فأصبح غاديا، فقلت انطلق غاديا إلى السوق غدا (فأشتري) ثم ألحق بهم. فانطلقت إلى السوق من الغد فعسر على بعض شأني فرجعت فقلت أرجع غدا إن شاء الله فألحق بهم، فعسر علي بعض شأني فلم أزل كذلك حتى التبس بي الريب وتخلفت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلت أمشي في الأسواق وأطوف في المدينة فيحزنني أن لا أرى أحدا تخلف إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، وكان الجميع من تخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضعا وثمانين رجلا ولم يذكرني النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك فلما بلغ تبوك قال:

" فما فعل كعب بن مالك "

فقال رجل من قومي خلفه يا رسول الله حسن برديه والنظر إلى عطفيه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت (يا هذا) والله يا نبي الله ما نعلم منه إلا خيرا. فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - غزوة تبوك وقفل ودنا من المدينة جعلت أتذكر بماذا أخرج من سخطة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكل ذي رأي من أهلي حتى إذا أقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - راح عني الباطل وعرفت ألا أنجو (إلا بالصدق ودخل النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى فصلى في المسجد ركعتين وكان إذا جاء من السفر فعل ذلك فدخل المسجد وصلى ركعتين ثم جلس فجعل يأتيه من تخلف فيحلفون له ويعتذرون إليه ويستغفر لهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى.

فدخلت المسجد فإذا هو جالس فلما رآني تبسم (تبسم المغضب) فجئت فجلست بين يديه فقال:

" ألم تكن ابتعت ظهرك؟ "

فقلت بلى يا نبي الله: فقال

" ما خلفك؟ "

فقلت (والله) لو أني بين أحد من الناس غيرك جلست فخرجت من سخطه علي بعذر، ولقد أوتيت جدلا. ولكني قد علمت يا رسول الله أني لو أخبرتك اليوم بما تجد علي فيه وهو حق فإني أرجو فيه عفو الله. وإن حدثتك حديثا ترضى علي فيه وهو كذب أوشك الله أن يطلعك علي. والله يا نبي الله ما كنت قط أيسر ولا أخف حالا حين تخلفت عنك. قال

" أما هذا فقد صدقكم الحديث. قم حتى يقضي الله فيك "

فقمت فسار على أثري ناس (من قومي) يؤنبونني، وقالوا والله ما نعلمك أذنبت ذنبا قط قبل هذا فهلا اعتذرت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يرضى عنك فكان استغفاره سيأتي من وراء ذلك ولم تقف نفسك موقفا لا تدري ما يقضى لك فيه، فلم يزالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي. فقلت هل قال هذا القول أحد غيري؟ قالوا نعم. فقلت من هو؟ فقالوا هلال بن أمية ومرارة بن الربيع فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة. فقلت والله لا أرجع إليه في هذا أبدا ولا أكذب نفسي. قال فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا الثلاثة. قال فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد وتنكر لنا الناس حتى ما هم بالذين نعرفهم وتنكرت لنا الأرض حتى ما هي باللتي نعرف وكنت أقوى أصحابي فكنت أخرج وأطوف بالأسواق وآتي المسجد وآتي النبي - صلى الله عليه وسلم -فأسلم عليه وأقول هل حرك شفتيه بالسلام فإذا قمت أصلي إلى سارية فأقبلت على صلاتي نظر [إلي] بمؤخر عينيه فإذا نظرت إليه أعرض عني. واستكان صاحباي فجعلا يبكيان الليل والنهار ولا يطلعان رؤوسهما. فبينما أنا أطوف بالسوق، إذا برجل نصراني جاء بطعام له يبيعه يقول من يدلني على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون إلي فأتاني، وأتاني بصحيفة من ملك غسان، وإذا فيها: أما بعد فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولست بدار مضيقة ولا هوان. فالحق بنا نواسيك. فقلت هذا أيضا من البلاء يعني الدعوة إلى الكفر. فسجرت لها التنور فأحرقتها فيه. فلما مضت أربعون ليلة إذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أتاني فقال:

بحر العلوم · الصفحة ٥٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٥٠٦