9.40
﴿ إلا تنصروه فقد نصره الله ﴾ يعني إن لم تنصروه وتخرجوا معه إلى غزوة تبوك فالله ينصره كما نصره ﴿ إذ أخرجه الذين كفروا ﴾ يعني: كفار مكة من مكة ﴿ ثاني اثنين ﴾ يعني كان واحدا من اثنين يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر رضي الله عنه ولم يكن معهما غيرهما. فنصرهما الله تعالى ﴿ إذ هما فى الغار ﴾ وذلك حين أراد أهل مكة قتله فهاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة فجاء النبي - عليه السلام - إلى بيت أبي بكر فلم يجده فجلس إلى أن جاء أبو بكر فقبل رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال مالك بأبي أنت وأمي؟ قال
" ما أرى قريشا إلا قاتلي "
فقال أبي بكر دمي دون دمك ونفسي دون نفسك لا يصنع بك شيء حتى يبدأ بي. فقال
" اخل بي "
قال أبو بكر ليس بك عين إنما هما ابنتاي أسماء وعائشة قال
" قد أذن لي بالخروج من مكة "
فقال أبو بكر يا رسول الله إن عندي بعيرين حبستهما للخروج فخذ أحدهما واركبه. قال
" لا آخذه إلا بالثمن "
فأخذه بالثمن وهي ناقته القصوى فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا بن أبي طالب بأن يبيت مكانه، وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه أبو بكر حتى أتيا جبل ثور جبل بأسفل مكة.
قال الفقيه حدثنا أبو جعفر قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سهل القاضي. قال حدثنا يحيى بن أبي طالب عن عبد الرحمن ابن إبراهيم الرازي قال حدثنا الفرات عن ميمون بن مهران عن عتبة بن محصن عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه قال: والله لليلة من أبي بكر خير من عمر وآل عمر. فقيل وأي ليلة هي؟ قال لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هاربا من أهل مكة ليلا فتبعه أبو بكر فجعل أبو بكر يمشي أمامه مرة ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
" ما هذا يا أبا بكر؟ "
قال يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك. وأذكر الطلب فأكون خلفك ومرة عن يمينك وعن يسارك لا آمن عليك. قال فمشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت. فلما رآها أبو بكر أنها قد حفيت حمله على عاتقه وجعل يشتد به حتى أتى فم الغار.
فأنزله وقال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله أنا. فإن كان من شيء نزل بي قبلك. فدخل، فلم ير شيئا فحمله وأدخله وقال في رواية محمد بن إسحاق كان الغار معروفا بالهوام فجعل أبو بكر يسد الجحور حتى بقي جحران فوضع عقبيه عليهما حتى أصبح. وقال في رواية عمر وكان في الغار خرق فيه حيات، فخشي أبو بكر أن يخرج منه شيء يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه وجعلت الدموع تنحدر على خده من شدة الألم ما يجده ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول
" يا أبا بكر لا تحزن "
فذلك قوله تعالى إذ يقول لصاحبه ﴿ لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته ﴾ يعني الطمأنينة لأبي بكر، فهذه ليلته.
قال الفقيه حدثنا أبو جعفر قال حدثنا أبو بكر القاضي قال حدثنا أحمد بن جرير قال حدثنا عمرو بن علي قال حدثنا عون بن عمرو القيس عن مصعب المكي قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة ابن شعبة وأنس بن مالك يذكرون النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الغار. أمر الله تعالى شجرة فخرجت في وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - فسترت وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن الله تعالى بعث العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر الله حمامتين وحشيتين فأقبلتا تزقان حتى وقفتا بين العنكبوت وبين الشجرة، فأقبلت فتيان قريش من كل بطن، معهم عصيهم وقسيهم وهراوتهم حتى إذا كانوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - على قدر مائتي ذراع. الدليل وهو سراقة بن مالك انظروا إلى هذا الحجر. ثم قال لا أدري أين وضع رجله. قال الفتيان أنت لم تخطىء منذ الليلة أثره حتى إذا أصبحنا. قال انظروا في الغار. فاستقدم القوم حتى إذا كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على قدر خمسين ذراعا نظروا فإذا حمامتان وحشيتان بفم الغار. فرجعوا وقالوا رأينا حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفنا أنه ليس فيه أحد فسمعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فعرف أن الله درأ بهما عنه فشمت عليهما. يعني أنه بارك عليهما فأحرزهما الله تعالى في الحرم فأفرختا فيه كما هما إلى الآن. وفي خبر آخر زيادة وقد كان أبو بكر أمر عامر بن فهيرة أن يرعى له غنمه بثور. فكان يريح إليهما غنمه وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار أهل مكة فكانا فيه ثلاث ليال، وكانا يريحان الغنم. ويحلبان كل ليلة ما أرادا فلما هدأوا من الالتماس وجاءهم عبد الله بن أبي بكر فأخبرهم بذلك، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعامر بن فهيرة واستأجرا رجلا من بني الدثل يهديهم الطريق يقال له عبد الله بن أريقط.