أخذ بهم أسفل مكة حتى خرجوا قريبا من جدة ثم عارضوا الطريق قريبا من عسفان، ففطن سراقة بن مالك آثارهم فلبس لأمته وركب فرسه حتى أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسخت قوائم فرسه فقال يا محمد ادع الله أن يطلق فرسي فإني أرى الحي قد التمسوني. فإن أكن وراءك خير لك فأرد عنك من ورائي من الناس فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
" اللهم إن كان صادقا فأطلق فرسه "
فانطلق فرسه. فقال يا محمد خذ سهما من كنانتي فمر به على إبلي، فإن أردت لبونا فخذ، وإن أردت حمولة فخذ، فرجع سراقة فوجد الناس يلتمسون أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم ارجعوا فقد استبرأت لكم ما ها هنا وقد عرفتم من بصيرتي بالآثار. قال فرجعوا عنه. فقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أبي بكر المدينة فذلك قوله تعالى ﴿ ثاني اثنين إذ هما فى الغار ﴾ قوله تعالى: ﴿ إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ﴾ وإنما كان يخاف أبو بكر على نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى ذهاب التوحيد والإسلام لا على نفسه. ﴿ إن الله معنا ﴾ في الدفع عنا ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ يعني: طمأنينته عليه وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يعني: على أبي بكر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تزل السكينة معه. وقال حبيب بن أبي ثابت ﴿ فأنزل الله سكينته عليه ﴾ يعني: على أبي بكر، وقال في رواية الكلبي: فأنزل الله سكينته على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى سكن واطمأن. قال حدثنا الفقيه أبو جعفر قال حدثنا أحمد بن محمد الحاكم القاضي قال حدثنا أحمد بن جرير قال حدثنا الحسن بن عرفة قال حدثنا أبو سوار عن أبي العطوف عن الزهري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحسان بن ثابت
" هل قلت في أبي بكر شيئا؟ "
قال نعم. قال
" فقل حتى أسمع "
فقال:
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد
طاف العدو به إذ يصعد الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا
من البرية لم يعدل به رجلا
قال فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه. وقال
" صدقت يا حسان هو كما قلت "
ثم قال تعالى ﴿ وأيده بجنود لم تروها ﴾ يعني: قوم بدر والأحزاب وحنين ﴿ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ﴾ يعني: الشرك بالله تعالى ﴿ وكلمة الله هى العليا ﴾ يعني: شهادة أن لا إله إلا الله. قرأ الأعمش ويعقوب الخضرمي وكلمة الله بالنصب يعني وجعل كلمة الله. وقراءة العامة وكلمة الله بالضم على معنى الاستئناف ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ حكم بإظهار التوحيد وإطفاء دعوة المشركين. قوله تعالى: ﴿ انفروا خفافا... ﴾