تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19.59

﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ فعقبهم وجاء بعدهم عقب سوء يقال خلف صدق بالفتح، وخلف سوء بالسكون. ﴿ أضاعوا الصلوة ﴾ تركوها أو أخروها عن وقتها. ﴿ واتبعوا الشهوت ﴾ كشرب الخمر واستحلال نكاح الأخت من الأب والانهماك في المعاصي. وعن علي رضي الله تعالى عنه في قوله ﴿ واتبعوا الشهوت ﴾. من بنى الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور. ﴿ فسوف يلقون غيا ﴾ شرا كقوله:

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره

ومن يغو لا يعدم على الغي لائما

أو جزاء غي كقوله تعالى: ﴿ يلق أثاما ﴾ أو غيا عن طريق الجنة، وقيل هو واد في جهنم يستعيذ منه أوديتها.

19.60

﴿ إلا من تاب وءامن وعمل صلحا ﴾ يدل على أن الآي في الكفرة. ﴿ فأولئك يدخلون الجنة ﴾ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر ويعقوب على البناء للمفعول من أدخل. ﴿ ولا يظلمون شيئا ﴾ ولا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم، ويجوز أن ينتصب ﴿ شيئا ﴾ على المصدر، وفيه تنبيه على أن كفرهم السابق لا يضرهم ولا ينقص أجورهم.

19.61-65

﴿ جنت عدن ﴾ بدل من الجنة بدل البعض لاشتمالها عليها، أو منصوب على المدح، وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وعدن لأنه المضاف إليه في العلم أو علم للعدن بمعنى الإقامة كبرة ولذلك صح وصف ما أضيف إليه بقوله: ﴿ التى وعد الرحمن عباده بالغيب ﴾ أي وعدها إياهم وهي غائبة عنهم، أو وهم غائبون عنها، أو وعدهم بإيمانهم بالغيب. ﴿ إنه ﴾ إن الله. ﴿ كان وعده ﴾ الذي هو الجنة. ﴿ مأتيا ﴾ يأتيها أهلها الموعود لهم لا محالة، وقيل هو من أتى إليه إحسانا أي مفعولا منجزا.

﴿ لا يسمعون فيها لغوا ﴾ فضول كلام. ﴿ إلا سلما ﴾ ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة، أو تسليم الملائكة عليهم أو تسليم بعضهم على بعض على الاستثناء المنقطع، أو على أن معنى التسليم إن كان لغوا فلا يسمعون لغوا سواه كقوله:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

بهن فلول من قراع الكتائب

أو على أن معناه الدعاء بالسلامة وأهلها أغنياء عنه فهو من باب اللغو ظاهرا وإنما فائدته الإكرام. ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ﴾ على عادة المتنعمين والتوسط بين الزهادة والرغابة، وقيل المراد دوام الرزق ودروره.

﴿ تلك الجنة التى نورث من عبادنا من كان تقيا ﴾ نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم كما يبقى على الوارث مال مورثه، والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التملك والاستحقاق من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع، ولا تبطل برد ولا إسقاط. وقيل يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا زيادة في كرامتهم، وعن يعقوب «نورث» بالتشديد.

﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ حكاية قول جبريل عليه الصلاة والسلام حين استبطأه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه بأبطأ عليه خمسة عشر يوما، وقيل أربعين يوما حتى قال المشركون ودعه ربه وقلاه، ثم نزل ببيان ذلك. والتنزل النزول على مهل لأنه مطاوع نزل وقد يطلق بمعنى النزول مطلقا كما يطلق نزل بمعنى أنزل، والمعنى وما ننزل وقتا غب وقت إلا بأمر الله على ما تقتضيه حكمته، وقرىء «وما يتنزل» بالياء والضمير للوحي. ﴿ له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ﴾ وهو ما نحن فيه من الأماكن والأحايين لا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته. ﴿ وما كان ربك نسيا ﴾ تاركا لك أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة وإنما كان لحكمة رآها فيه.

وقيل أول الآية حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، والمعنى وما ننزل الجنة إلا بأمر الله ولطفه، وهو مالك الأمور كلها السالفة والمترقبة والحاضرة فما وجدناه وما نجده من لطفه وفضله وقوله ﴿ وما كان ربك نسيا ﴾ تقرير من الله لقولهم أي وما كان ربك نسيا لأعمال العاملين وما وعد لهم من الثواب عليها وقوله:

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٧٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٧٨١