﴿ لو كان عرضا ﴾ أي لو كان ما دعوا إليه نفعا دنيويا. ﴿ قريبا ﴾ سهل المأخذ. ﴿ وسفرا قاصدا ﴾ متوسطا. ﴿ لاتبعوك ﴾ لوافقوك. ﴿ ولكن بعدت عليهم الشقة ﴾ أي المسافة التي تقطع بمشقة. وقرىء بكسر العين والشين. ﴿ وسيحلفون بالله ﴾ أي المتخلفون إذا رجعت من تبوك معتذرين. ﴿ لو استطعنا ﴾ يقولون لو كان لنا استطاعة العدة أو البدن. وقرىء ﴿ لو استطعنا ﴾ بضم الواو تشبيها لها بواو الضمير في قوله: ﴿ اشتروا الضللة ﴾. ﴿ لخرجنا معكم ﴾ ساد مسد جوابي القسم والشرط، وهذا من المعجزات لأنه إخبار عما وقع قبل وقوعه. ﴿ يهلكون أنفسهم ﴾ بإيقاعها في العذاب، وهو بدل من سيحلفون لأن الحلف الكاذب إيقاع للنفس في الهلاك أو حال من فاعله. ﴿ والله يعلم إنهم لكذبون ﴾ في ذاك لأنهم كانوا مستطيعين الخروج.
﴿ عفا الله عنك ﴾ كناية عن خطئه في الإذن فإن العفو من روادفه. ﴿ لم أذنت لهم ﴾ بيان لما كني عنه بالعفو ومعاتبة عليه، والمعنى لأي شيء أذنت لهم في القعود حين استأذنوك واعتلوا بأكاذيب وهلا توقفت. ﴿ حتى يتبين لك الذين صدقوا ﴾ في الاعتذار. ﴿ وتعلم الكذبين ﴾ فيه. قيل إنما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئين لم يؤمر بهما، أخذه للفداء وإذنه للمنافقين فعاتبه الله عليهما.
﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجهدوا بأمولهم وأنفسهم ﴾ أي ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا فإن الخلص منهم يبادرون إليه ولا يتوقفون على الاذن فيه فضلا أن يستأذنوك في التخلف عنه، أو أن يستأذنوك في التخلف كراهة أن يجاهدوا. ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ شهادة لهم بالتقوى وعده لهم بثوابه.
﴿ إنما يستأذنك ﴾ في التخلف. ﴿ الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ تخصيص الإيمان بالله عز وجل واليوم الآخر في الموضعين للإشعار بأن الباعث على الجهاد والوازع عنه الإيمان وعدم الإيمان بهما. ﴿ وارتابت قلوبهم فهم فى ريبهم يترددون ﴾ يتحيرون.
﴿ ولو أرادوا الخروج لاعدوا له ﴾ للخروج. ﴿ عدة ﴾ أهبة وقرىء «عد» بحذف التاء عند الإضافة كقوله:
إن الخليط أجدوا البين فانجردوا
وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا
وعده بكسر العين بالإضافة وعدة بغيرها. ﴿ ولكن كره الله انبعاثهم ﴾ استدراك عن مفهوم قوله: ﴿ ولو أرادوا الخروج ﴾ كأنه قال ما خرجوا ولكن تثبطوا لأنه تعالى كره انبعاثهم أي نهوضهم للخروج. ﴿ فثبطهم ﴾ فحسبهم بالجبن والكسل. ﴿ وقيل اقعدوا مع القعدين ﴾ تمثيل لإلقاء الله كراهة الخروج في قلوبهم، أو وسوسة الشيطان بالأمر بالقعود، أو حكاية قول بعضهم لبعض، أو إذن الرسول عليه السلام لهم والقاعدين يحتمل المعذورين وغيرهم وعلى الوجهين لا يخلو عن ذم.
﴿ لو خرجوا فيكم ما زادوكم ﴾ بخروجهم شيئا. ﴿ إلا خبالا ﴾ فسادا وشرا ولا يستلزم ذلك أن يكون لهم خبال حتى لو خرجوا زادوه لأن الزيادة باعتبار أعم العام الذي وقع منه الاستثناء، ولأجل هذا التوهم جعل الاستثناء منقطعا وليس كذلك لأنه لا يكون مفرغا. ﴿ ولأوضعوا خللكم ﴾ ولأسرعوا ركائبهم بينكم بالنميمة والتضريب، أو الهزيمة والتخذيل من وضع البعير وضعا إذا أسرع. ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم أو الرعب في قلوبكم، والجملة حال من الضمير في «أوضعوا». ﴿ وفيكم سمعون لهم ﴾ ضعفة يسمعون قولهم ويطيعونهم، أو نمامون يسمعون حديثكم للنقل إليهم. ﴿ والله عليم بالظلمين ﴾ فيعلم ضمائرهم وما يتأتى منهم.
﴿ لقد ابتغوا الفتنة ﴾ تشتيت أمرك وتفريق أصحابك. ﴿ من قبل ﴾ يعني يوم أحد فإن ابن أبي وأصحابه كما تخلفوا عن تبوك بعدما خرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذي جدة أسفل من ثنية الوداع انصرفوا يوم أحد. ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ ودبروا لك المكايد والحيل ودوروا الآراء في إبطال أمرك. ﴿ حتى جاء الحق ﴾ بالنصر والتأييد الإلهي. ﴿ وظهر أمر الله ﴾ وعلا دينه. ﴿ وهم كرهون ﴾ أي على رغم منهم، والآيتان لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على تخلفهم وبيان ما ثبطهم الله لأجله وكره انبعاثهم له وهتك أستارهم وكشف أسرارهم وإزاحة اعتذارهم تداركا لما فوت الرسول صلى الله عليه وسلم بالمبادرة إلى الأذن ولذلك عوتب عليه. ﴿ ومنهم من يقول ائذن لي ﴾ في القعود. ﴿ ولا تفتنى ﴾ ولا توقعني في الفتنة أي في العصيان والمخالفة بأن لا تأذن لي، وفيه إشعار بأنه لا محالة متخلف أذن له أم لم يأذن، أو في الفتنة بسبب ضياع المال والعيال إذ لا كافل لهم بعدي. أو في الفتنة بنساء الروم لما روي: أن جد بن قيس قال: قد علمت الأنصار أني مولع بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر ولكني أعينك بمالي فاتركني. ﴿ ألا فى الفتنة سقطوا ﴾ أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة التخلف أو ظهور النفاق لا ما احترزوا عنه. ﴿ وإن جهنم لمحيطة بالكفرين ﴾ جامعا لهم يوم القيامة، أو الآن لأن إحاطة أسبابها بهم كوجودها.