﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ﴾ منهم بالتوفيق للإسلام. ﴿ والله غفور رحيم ﴾ يتجاوز عنهم ويتفضل عليهم. روي (أن ناسا جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا وقد سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الابل والغنم ما لا يحصى فقال صلى الله عليه وسلم: اختاروا إما سباياكم وإما أموالكم؟ فقالوا ما كنا نعدل بالأحساب شيئا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن هؤلاء جاءوا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا فمن كان بيده سبي وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه فقالوا: رضينا وسلمنا فقال؛ إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا إلينا فرفعوا أنهم قد رضوا).
﴿ يأيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجس ﴾ لخبث باطنهم أو لأنه يجب أن يجتنب عنهم كما يجتنب عن الأنجاس، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يتجنبون عن النجاسات فهم ملابسون لها غالبا. وفيه دليل على أن ما الغالب نجاسته نجس. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أعيانهم نجسة كالكلاب. وقرىء ﴿ نجس ﴾ بالسكون وكسر النون وهو ككبد في كبد وأكثر ما جاء تابعا لرجس. ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام ﴾ لنجاستهم، وإنما نهى عن الاقتراب للمبالغة أو للمنع عن دخول الحرم. وقيل المراد به النهي عن الحج والعمرة لا عن الدخول مطلقا وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع. ﴿ بعد عامهم هذا ﴾ يعني سنة " براءة " وهي التاسعة. وقيل سنة حجة الوداع. ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ فقرا بسبب منعهم من الحرم وانقطاع ما كان لكم من قدومهم من المكاسب والأرفاق.
﴿ فسوف يغنيكم الله من فضله ﴾ من عطائه أو تفضله بوجه آخر وقد أنجز وعده بأن أرسل السماء عليهم مدرارا ووفق أهل تبالة وجرش فأسلموا وامتاروا لهم، ثم فتح عليهم البلاد والغنائم وتوجه إليهم الناس من أقطار الأرض. وقرىء «عائلة» على أنها مصدر كالعافية أو حال. ﴿ إن شاء ﴾ قيده بالمشيئة لتنقطع الآمال إلى الله تعالى ولينبه على أنه تعالى متفضل في ذلك وأن الغني الموعود يكون لبعض دون بعض وفي عام دون عام. ﴿ إن الله عليم ﴾ بأحوالكم. ﴿ حكيم ﴾ فيما يعطي ويمنع.
﴿ قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ﴾ أي لا يؤمنون بهما على ما ينبغي كما بيناه في «أول البقرة» فإن إيمانهم كلا إيمان. ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ﴾ ما ثبت تحريمه بالكتاب والسنة وقيل رسوله هو الذي يزعمون اتباعه والمعنى أنهم يخالفون أصل دينهم المنسوخ اعتقادا وعملا. ﴿ ولا يدينون دين الحق ﴾ الثابت الذي هو ناسخ سائر الأديان ومبطلها. ﴿ من الذين أوتوا الكتب ﴾ بيان للذين لا يؤمنون. ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ ما تقرر عليهم أن يعطوه مشتق من جزى دينه إذا قضاه. ﴿ عن يد ﴾ حال من الضمير أي عن يد مؤاتية بمعنى منقادين، أو عن يدهم بمعنى مسلمين بأيديهم غير باعثين بأيدي غيرهم ولذلك منع من التوكيل فيه، أو عن غنى ولذلك قيل: لا تؤخذ من الفقير، أو عن يد قاهرة عليهم بمعنى عاجزين أذلاء أو من الجزية بمعنى نقدا مسلمة عن يد إلى يد أو عن إنعام عليهم فإن إبقاءهم بالجزية نعمة عظيمة. ﴿ وهم صغرون ﴾ أذلاء وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: تؤخذ الجزية من الذمي وتوجأ عنقه. ومفهوم الآية يقتضي تخصيص الجزية بأهل الكتاب ويؤيده أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يكن يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، أنه صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر. وأنه قال: