وأعني بتدفق الصور ، انبثاقها من بؤرة واحدة ، تنطلق جميعاً هنا وهناك ، ولكنها ترتبط بصلة وثقي بالمنبع ، وتدور حول فلك الأصل الواحد ولنأخذ مثلاً لذلك قصيدة " الهلال " التي نظمها في عيد ميلاده الثلاثين ، يقول فيها :
سنون تعاد ودهر يعيد ??? لعمره ما في الليالي جديد
أضاء لآدم هذا الهلال ??? فكيف تقول الهلال الوليد
نعد عليه الزمان القريب ??? ويحصي علينا الزمان البعيد
علي صفحتيه حديث القري ??? وأيام عاد ودنيا ثمود
وطيبة أهله بالملوك ??? وطيبة مقفرة بالصعيد
يزول ببعض سناه الصفا ??? ويفني ببعض سناه الحديد
ومن عجب وهو جد الليالي ??? يبيد الليالي فيما يبيد
يقولون يا عام قد عدلت لي ??? فيا ليت شعري بماذا تعود ؟
لقد كنت لي أمس ما لم أرد ??? فهل أنت لي اليوم ما لا أريد
ومن صابر الدهر صبري له ??? شكي في الثلاثين شكوي لبيد
ظمئت ومثلي بري أحق ??? كأني " حسين " ودهري " يزيد "
تغابيت حتي صحبت الجهول ??? وداريت حتي صحبت الحسود
نظم شوقي هذه القصيدة في مناسبة عيد ميلاده الثلاثين ، لقد انصرم عام أخر من عمره ، ومن ثم كان من الطبيعي أن يلقي بنظره إلي الوراء ، ليري حصيلة هذا العام ، بل ومقدار ما أنجزه في الثلاثين التي مضت ، إنه ليشعر بان تلك السنون الخالية كانت جميعاً من نمط واحد ، فإحساسه بأن حياته مرت كلها علي وتيرة واحدة يدفعه إلي إسقاط هذه الرتابة علي الزمن ذاته .
" سنون تعاد ودهر يعيد " هذه هي القضية العامة الذي يستهل بها الشاعر قصيدته ولفظة " تعاد " تعني أن الدهر يرجع السنين لنا كما هي ، أو يجعلها تؤوب إلينا كما رحلت عنا ، وهي تعني كذلك أن الدهر " يكرر " هذه السنين ، وغني عن الذكر ما في المدلولين – وكلاهما مقصود – من صفة الرتابة والآلية ، السنون تعود وتعاد ، ولا شئ جديد .
والهلال يطل علي آدم ، ومن ولد آدم عاد وثمود .