تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات

[إبراهيم: 37]. وهذا دليل على أن الهوي ليس من صنعة الجسم، ولكنه من صنعة الأفئدة.

والأفئدة بيد الله - سبحانه - هو الذي جعلها تهوي، والكعبة هي البيت الحرام، وهي قوام لحياة الناس، وسبحانه القائل:

ومن دخله كان آمنا

[آل عمران: 97]. فالداخل إلى الكعبة آمن حتى ولو كان قاتلا. وكان الرجل يلتقي بقاتل أبيه في الكعبة فلا يتعرض له، إذن فقد أعطى الحق لهم من مقومات الحياة الشيء النافع وحجب عن الموجود منهم الضر. وأما السيادة والجاه فقد عرفنا ان قريشا سادت العرب وكان رجالها سدنة وخدما لبيت الله، والكل يأتي إليهم فلا أحد يتعرض لقوافلهم الذاهبة إلى الشام أو اليمن. وإلا فمن يتعرض لقوافل قريش فإن قريشا تستطيع الانتقام منه عندما يأتي إليها. وكان ذلك قمة السيادة. إذن فمقوم الحياة إما أن يأتي بنافع كالرزق، وإما أن يمنع الضار وذلك بالأمن الذي يصيب كل داخل إليها، وكذلك بالسيادة التي أخذتها قريش على العرب جميعا. وأعطى الله المثل لقريش على حمايته للكعبة، عندما جاء أبرهة ليهدم الكعبة:

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل

[الفيل: 1]. ورد سبحانه كيد أصحاب الفيل لأنهم لو هدموا الكعبة لضاعت السيادة من قريش، ولذلك قال الحق وصفا لذلك:

فجعلهم كعصف مأكول

[الفيل: 5].

لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف

[قريش: 1-2]. جعل الحق أصحاب الفيل كعصف مأكول أي كتبن أو نحوه أكلته الدواب وألقته روثا، فعل - سبحانه - ذلك حتى تألف قريش وتطمئن إلى أن الكعبة لن يمسها سوء، وإلى أن رحلات الشتاء والصيف مصونة بحكم حاجة كل القبائل إلى الحج. وقال سبحانه:

فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 3-4]. أي أسبغ عليهم النعمة بالطعام وسلبهم المضرة بالخوف، وأبقى لهم السيادة والجاه بخدمة الكعبة التي جعلها الله للناس جميعا قياما وأمنا لأن الذين يذهبون إلى حج البيت يكفر عنهم سبحانه سيئاتهم ويخرجون من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم، وهذا قيام لحياتهم الأخروية أيضا. إذن جعل الله البيت الحرام قياما لكل ألوان الحياة، والبيت الحرام مكان كما نعلم. وجعل الحق الشهر الحرام أيضا قياما للحياة، والشهر الحرام هو زمان كما نعلم. والشهر الحرام هو أحد الأشهر الحرم الأربعة: شهر منها فرد أي غير متصل بغيره من الأشهر الحرم وهو رجب - ولذلك يسمى رجب الفرد - وثلاثة سرد أي متتابعة يلي بعضها بعضا وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. والمراد بالشهر الحرام هو الجنس لكل شهر من الأشهر الحرم. ونعلم أن كل حدث من الأحداث يحتاج إلى فاعل. والفاعل يحتاج إلى زمن ليفعل فيه الفعل، وإلى مكان يفعل فيه، وإلى سبب يدعو إلى الفعل، وإلى قدرة تبرز هذا الفعل. ولذلك نذكر جميعا قول الحق سبحانه:

ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله

[الكهف: 23-24]. فإياك أن تقول: إني فاعل ذلك غدا إلا بعد أن تتبعها بقولك: " إن شاء الله ". ولا يمنعنا هذا أن نخطط لمستقبلنا. فمادمنا قد استعنا بالمشيئة، فلنا أن نخطط لحياتنا. ونقول: " إن شاء الله " لأن عناصر الفعل: فاعل، ومفعول يقع عليه الفعل، وزمان، ومكان، وسبب، وقدرة تبرز الفعل. ولا أحد منا يملك واحدا من هذه العناصر، فأنت أيها الإنسان لا تملك وجود ذاتك غدا، ولا تملك وجود المفعول غدا، ولا تملك الزمان، ولا تملك المكان، ولا تملك السبب لأنه من الجائز أن يتغير، ولا تملك القدرة على الفعل، فقد تسلب منك القدرة قبل أن تفعل الفعل. إذن، فأنت لا تملك من عناصر الفعل شيئا. فلا تجازف وتقول: أنا أفعل ذلك غدا. بل أسندها إلى من يملك كل العناصر، وقل: " إن شاء الله " ، وبذلك لا تكون كاذبا. وهنا في هذه الآية يوجد عنصران: المكان، الزمان، المكان هو البيت الحرام، والزمان هو الشهر الحرام، والذي يحدث الفعل فيه نسميه: المفعول فيه، وهو إما ظرف مكان وإما ظرف زمان. وأراد الحق سبحانه بذلك أن يؤكد ما فيه قيام الناس زمانا ومكانا، فلو أنه سبحانه لم يفعل ذلك بالنسبة للزمان وهو الأشهر الحرم، والمكان وهو الحرم، لاستمرت الحرب بين قبائل العرب إلى ما لا نهاية. ولذلك أراد بالأشهر الحرم أن يعطي للعقل فرصة للتأمل في أسباب الحرب، ويعطي كل إنسان من العرب الراحة من القتال. وكان كل عربي في ذلك الزمن يهتم بالاستعداد للقتال اهتمامه بالطعام والشراب، فكل منهم تربى على الفروسية والقتال والضرب بالرمح والمبارزة بالسيف. وحينما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لينساح بالدعوة في أرض الله صحب معه الكثير من الرجال الذين لم يكونوا في حاجة إلى التدريب على أعمال الحرب، فقد كان كل الناس تقريبا جاهزين للقتال. وكأن الله سبحانه أراد للإسلام أن ينهي الثأر بين القبائل، وأن يستفيد الإسلام من استعداد كل عربي للقتال. واستفاد الإسلام أيضا من أن أمة العرب كانت - غالبا - متبدية بيت كل إنسان منهم على ظهر البعير، يشد رحاله، وينصب خيمته وينام لأن الناس إنما ارتبطوا بالأوطان عندما بنوا المنازل، فمن بنى لنفسه بيتا في مكان ما فهو يشتاق إلى ما بناه. وكأن الحق قد أعدهم للانسياح بكلمة الله في الأرض فلا يحزن لترك مكان إلى مكان آخر، بل إن الشخص منهم كان يذهب إلى البلاد ويتوطن فيها ليؤصل الوجود الإسلامي. فكان كل واحد منهم نواة الخير للأمم التي انساحوا إليها فمن ذهب منهم إلى الشام توطن فيها ولم يصعب عليه فراق الجزيرة. وكذلك من ذهب إلى مصر وغيرها من البلدان.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤٧١