تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.13

وساعة يقول الحق: " ميثاقا " فالميثاق يتطلب الوفاء. فهل وفوا بهذا الميثاق؟. لا، لقد نقضوا المواثيق فلعنهم الله. واللعن هو الطرد والإبعاد، والحق في ذلك يقول: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ﴾ أي بسبب نقضهم الميثاق لعنهم الله. لقد أثار وجود " ما " هنا بعض التفسيرات، فهناك من العلماء من قال: إنها زائدة، وهناك آخرون قالوا: إنها " صلة ". ولكن الزيادة تكون عند البشر لا عند الله. ولا يمكن أن يكون بالقرآن شيء زائد لأن كل كلمة في القرآن جاءت لمقتضى حال يحتم أن تكون في هذا الموضع. فها هوذا الحق يخبرنا بما وصى به لقمان ابنه:

واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور

[لقمان: 17] وفي آية أخرى يقول سبحانه:

ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور

[الشورى: 43] في الآية الأولى لم يورد " اللام " لتسبق " من " ، وفي الآية الثانية أورد " اللام " لتسبق " من " ، وليس ذلك من قبيل التفنن في العبارات، فقوله: ﴿ واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور ﴾ دعوة للصبر على مصيبة ليس للإنسان غريم فيها، كالمرض، أو موت أحد الأقارب، وهذه الدعوة للصبر تأتي هنا كعزاء وتسلية، أما قوله الحق: ﴿ ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ﴾ فالدعوة للصبر هنا مع الغفران تقتضي وجود غريم يسبب للإنسان كارثة. هنا يطلب الله من المؤمن أن يغفر لمن أصابه وأن يصبر. ومادام هناك غريم فالنفس تكون متعلقة بالانتقام، وهذا موقف يحتاج إلى جرعة تأكيدية أكثر من الأولى فليس في الموقف الأول غريم واضح يطلب منه الانتقام، أما وجود غريم فهو يحرك في النفس شهوة الانتقام، ولذلك يؤكدها الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إن ذلك لمن عزم الأمور ﴾. ويقول سبحانه في موقع آخر:

ما جآءنا من بشير

[المائدة: 19] وعندما يقوم النحاة بإعراب " بشير " فهم يقولون: " إنها فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخرة منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد. إنه التفاف طويل، ولا يوجد حرف زائد، فالإنسان يقول: ما عندي مال. وهذا القائل قد يقصد أنه لا يملك إلا القليل من المال لا يعتد به. وعندما يقول الإنسان " ما عندي من مال " ف " من " هنا تعني أنه لا يملك أي مال من بداية ما يقال له مال. ولذلك ف " من " هنا ليست زائدة، ولكنها جاءت تعني لمعنى. إذن " ما جاءنا من بشير " أي لم يأت لنا بداية من يقال له بشير. وها هوذا قول الحق:

فبما رحمة من الله لنت لهم

[آل عمران: 159] وقد يحسب البعض أن " ما " هنا حرف زائد، ولكنا نقول: ما الأصل في الاشتقاق؟.

إن الأصل الذي نشتق منه هو المصدر. ومرة يأتي المصدر ويراد به الفعل، كقول القائل: " ضربا زيدا " أي " اضرب زيدا ". ومجيء المصدر هنا قول مقصود به الفعل، وكذلك قوله الحق: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ﴾. مادام النقض مصدرا فمن الممكن أن يقوم مقام الفعل. ومادام المصدر قد قام مقام الفعل فمن الجائز أن يأتي فعل آخر، فيصبح معنى القول: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ﴾. إذن " ما " تدل هنا على أن المصدر قد جاء نيابة عن فعل. وبقيت " ما " لتدل على أن المصدر من الفعل المحذوف، أو أن " ما " جاءت استفهامية للتعجيب.. أي فبأي نقض من ألوان وصور نقضهم للعهد لعناهم؟ وذلك لكثرة ما نقضوا من العهود على صور وألوان شتى من النقض للعهد. وقوله الحق: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ﴾. والنقض هو ضد الإبرام لأن الإبرام هو إحكام الحكم بالأدلة. والنقض هو حل عناصر القضية، كأن العهد الموثق الذي أخذه الله عليهم قد نقضوه. ونحن نسمي العقيدة الإيمانية عقيدة، لماذا؟ لأنها مأخوذة من عقد الشيء بحيث لا يطفو ليناقش من جديد في الذهن. كذلك الميثاق إنه عهد مثبت ومؤكد. وعندما ينقضونه فهم يقومون بحله، أي أنهم أخرجوا أنفسهم عن متطلبات ذلك العقد. وجاء اللعن لأنهم نقضوا الميثاق. ﴿ وجعلنا قلوبهم قاسية ﴾ وهم عندما نقضوا المواثيق، طبع الله على قلوبهم لأنه لم يطبع على قلوبهم بداية فقد كفروا أولا، وبعد ذلك تركهم الله في غيهم وضلالهم وطبع على القلوب فما فيها من كفر لا يخرج، والخارج عنها لا يدخل إليها. و " قاسية " تعني صلبة. وفيها شدة. والصلابة مذمومة في القلوب وليست مذمومة في الدفاع عن الحق لأننا نقيس كل موجود على مهمته. فعندما يكون كل موجود على مهمته يكون كل الكون جميلا. مثال ذلك نحن لا نقول عن الخطاف ذما فيه إنه أعوج. فالخطاف لا بد له من العوج لأن ذلك العوج مناسب لمهمته، إذن فعوج الخطاف استقامة له. وكذلك القسوة غير مذمومة شريطة أن تكون في محلها، أما إن جاءت في غير محلها فهي مذمومة. إن القلوب القاسية مذمومة لأن الحق يريد للقلوب أن تكون لينة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٩٤