5.81
فلو كان عندهم إيمان بالله حقيقة وبالمنهج المنزل من الله، ما اتخذوا أهل الشرك أولياء، ولكن كثرة هؤلاء أهل فسق. ونلحظ أن الكثير فاسق، وهذا يعني أن القليل غير فاسق. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ لتجدن أشد الناس... ﴾.
5.82
الحق سبحانه وتعالى يقسم لرسوله صلى الله عليه وسلم أن واقع الحياة مع فرقتين كاليهود والنصارى سيتجلى واضحا على الرغم من أن كل جانب منهما مخالف لرسول الله في ناحية، فمواجيد هؤلاء الناس وأهواؤهم مختلفة ولكنهم اتفقوا جميعا في الهدف. فاليهود أشد عداوة لأنهم أخذوا سلطة زمنية جعلتهم السادة في المنطقة، أما النصارى فلم تكن لهم سيادة ولا سلطة زمنية وكانوا عاكفين في صوامعهم وبيعهم يعبدون الله. والجانب الذي ليس له سلطة زمنية لا يعادي من جاء ليسحب من أهل الجور سلطتهم الزمنية ويقيم العدل بين الناس. فما العلة في ذلك؟ يقول الحق: ﴿ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ﴾. و " القسيسون " جمع قس وهو المتفرغ للعلم الرباني. و " الرهبان " هم الذين تفرغوا للعبادة. فكأن القسيس مهمته أن يعلم العلم. والراهب مهمته أن ينفذ مطلوب العلم ويترهبن. إننا نجد هنا أن الحق سبحانه وتعالى قد امتن بشيئين وبذلك جعلهم أقرب مودة للذين آمنوا، امتن سبحانه بأن منهم قسيسين يحافظون على علم الكتاب، وامتن بأن منهم رهبانا ينفذون مدلول المطلوب من العلم، وبذلك صاروا أقرب مودة للذين آمنوا إن ظلوا على هذا الوضع لأن العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما. وما دام قد عللها - سبحانه - بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون فذلك لأنهم لا يتطاولون إلى رئاسة وليس لهم تكبر أو ترفع لأن طبيعة دينهم تعطيهم طاقة روحية كبرى حتى إنهم يقولون: " من ضربك على خدك الأيمن أدر له خدك الأيسر ". وهذا يعطيهم شحنة إيمانية نراها ناضحة عليهم. ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ﴾ وقد جاء واقع الكون مؤيدا لهذا، فمواقف اليهود من رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفة حتى إنهم نزلت بهم الخسة وتمكن منهم الحقد ودفعهم الغدر أن أرادوا أن يقلوا عليه حجرا ليقتلوه وحاولوا دس السم له. وحين تجد إنسانا لا يجد طريقا إلى الخلاص من خصمه إلا بأن يقتله، فيمكنك أن تواجهه قائلا: أنت لا تملك شجاعة تواجهه بها في حياته، ولو كنت تملك تلك الشجاعة ما فكرت في أن تقتله. وهذا دليل على أنه أضعف منه وليس أشجع منه، فلو كان قويا لكان عليه أن يواجه هذا الخصم مواجهة في حركة حياته ولا يفكر في قتله لأن الضعيف هو من يرى أن حياة الخصم ترهقه. لقد كان اليهود أهلا لهذا الضعف في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونعلم أنه صلى الله عليه وسلم حينما جهر بدعوته اتبعه بعض الناس، ولكن هؤلاء المؤمنين الأوائل عانوا من اضطهاد أهلهم وذويهم.
حتى إن البيت الواحد انقسم. مثال ذلك تجد أن أم حبيبة السيدة رملة وهي بنت أبي سفيان تؤمن بينما والدها شيخ الكفرة آنذاك، وتذهب أم حبيبة مع زوجها إلى الحبشة ويحرص سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الخلايا الإيمانية لأنه يعلم أنها ستفرخ الإيمان من بعد ذلك. وبتلك الهجرة إلى الحبشة أراد صلى الله عليه وسلم أن يحمي بذور الإيمان لتكون هي مركز انتشار الإيمان من بعد ذلك لأنهم سوف يؤدون مهمة إيمانية، والشجاعة - كما نعلم - تقتضي الحرص. وشاعرنا أحمد شوقي - رحمه الله - قال في إحدى مقطوعاته النثرية التي سماها " أسواق الذهب ": ربما تقتضيك الشجاعة، أن تجبن ساعة؟ وهذه الشجاعة لا تكون على العدو فقط ولكنها تكون شجاعة في مواجهة النفس، مثال ذلك: لو أن جماعة من الأقوياء كانوا جالسين معا في جلسة سمر، ثم دخل عليهم صعلوك يحمل مسدسا، وقام بتوجيه السباب لكل منهم، هنا يتحايل عليه هؤلاء إلى أن يتمكنوا منه ليعاقبوه. إذن فالشجاعة تقتضي أن يجبن الإنسان لحظة إلى أن يتمكن من الخصم. وهذه هي الكياسة والحيلة، فالإيمان ليس انتحارا، بل يقتضي الإيمان ألا يدخل المؤمن معركة إلا وعنده حسبان في الكسب. وها هوذا حضرة النبي صلى الله عليه وسلم يسمي خالد بن الوليد " سيف الله المسلول " في معركة لم ينتصر فيها خالد، ولكنه انتصر انتصارا سلبيا بأن عرف كيف يسحب الجيش، فالأمر بسحب الجيش يحتاج إلى قوة أكثر مما يحتاج إليه النصر. فالمنتصر تكون الريح معه. أما المهزوم فتكون الريح ضده. ونجد القرآن الكريم يقول: