تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.116

ونعرف أن هذا هو الحوار الذي سوف يدور بين الحق وبين عيسى ابن مريم عليه السلام يوم يجمع الحق سبحانه وتعالى الرسل:

يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم قالوا لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب

[المائدة: 109]. وقد يقول قائل: ولماذا جاء الحق سبحانه وتعالى بهذا الحوار في صيغة الفعل الماضي؟: ﴿ وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ [المائدة: 116]. وكلنا يعرف أن لكل حدث زمنا ومكانا. وزمان الحدث هو يوم القيامة. ومكان هذا الحدث في ساحة المشهد والحشر، وسبحانه هو خالق كل زمن وكل مكان، وله أن يتحدث عن أي أمر بأي صيغة شاء، سواء أكانت صيغة الماضي أم الحاضر أم المستقبل، فقد أوجد كل شيء من ماض وحاضر ومستقبل، وبيده أمر كل ما خلق ومن خلق. وهو أزلي قيوم، أما نحن بنو الإنسان فأمر الزمن يختلف، الزمن بالنسبة لأفعالنا هو واحد من ثلاثة ماض: أي أن يكون الحدث قد وقع قبل أن أتكلم مثل قولي " قابلني زيد " ، ومعنى ذلك أن الفعل قد تم وصار محققا. وحاضر: أي أن يكون الحدث في حالة وقوعه، أي يحصل الآن مثل قولي: " يقابلني زيد " وأنت تقصد الحال أي أنه يقابلني الآن. إن معنى ذلك أن العين ترى زيدا وليس مع العين أين. ومستقبل: أي أن يكون الحادث سوف يقع كقولي: " سيقابلني زيد ". وهنا لا يملك الإنسان نفسه أن يحدث منه الحدث، ولا يملك ألا يقع على الإنسان الذي سوف يقابله أمر قد يمنعه من إتمام الحدث، ولا يملك الإنسان أن يظل السبب للمقابلة قائما. إذن فمع المستقبل لا يصح للإنسان أن يحكم بشيء، لأنه لا يملك أي عنصر من عناصر الحدث. والذي يملك هذا هو الحق سبحانه وتعالى وحده. ولذلك يعلمنا القرآن شرف الصدق في الكلمة بقوله تعالى:

ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله

[الكهف: 23-24]. وعلى الإنسان أن يحترم قدرته المحدودة، وان يتذكر دائما قدرة الحق سبحانه وتعالى عليه. وهذا لا يعني أن الحق سبحانه يمنعنا من التخطيط للمستقبل، لا، بل يطلب منا أن نخطط وأن ندرس كل الاحتمالات، وعلينا أن نقول: " إن شاء الله " لأننا بذلك نقدم مشيئة من يملك كل أمر وهو الله - سبحانه وتعالى -. وقد حاول بعض المستشرقين من أعداء الإسلام أن ينفذوا بسمومهم إلى عقول المسلمين بالتساؤل عن عدم ترتيب الأفعال على نسق حدوثها في بعض من آيات القرآن، فقال قائل منهم: كيف يقول الحق - سبحانه -:

أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون

[النحل: 1]. وهذا خبر عن يوم القيامة فكيف يأتي به الله على صيغة الماضي، ثم يقول بعد ذلك:

فلا تستعجلوه

[النحل: 1]؟ واستعجال الشيء لا يكون إلا إذا لم يكن قد حدث، فكأن في الكلام تناقضا، ذلك لأنه يقول: أتى، ويقول بعد ذلك: فلا تستعجلوه؟ ونقول: إن الذي يتكلم هو الحق سبحانه وتعالى وليس إنسانا مثلك محكوما بأزمانه. بل المتكلم هو صاحب كل الأزمان وخالقها. وعندما يقول سبحانه:

أتى أمر الله

[النحل: 1] فمعنى ذلك أن أمر الله آت لا محالة، لأنه لا قدرة تخرج مراده على ألا يكون. وأي فعل من الحق سبحانه وتعالى إنما يتجرد عن ملابسات الزمان وعن ملابسات المكان، فإن كنا نقرأ على سبيل المثال قوله تعالى:

وكان الله غفورا رحيما

[النساء: 100]. فليس معنى ذلك أن مغفرة الله ورحمته قد مضى زمانها وانقضى وقتها. ولكن لنقل: كان الله غفورا رحيما ولا يزال غفورا رحيما، فسبحانه وتعالى غفور ورحيم قبل أن يوجد من يغفر له ويرحمه، ومن باب أولى يكون غفورا رحيما بعد أن يوجد من يستحق المغفرة والرحمة. وسبحانه منزه عن أن تعتريه الأحداث فيتغير لأن الزمن مخلوق من الله، فلا تقل متى أو أين لأنهما به وجدا. والحق يأتي بالماضي لأنه متحقق الوقوع، ليثبت حدوث أمر لم يحدث بعد، ذلك لأن الله إذا قال عن شيء إنه سيحدث فلا بد أن يحدث. ويؤكد الحق سبحانه في أي كلام من عيسى ابن مريم على أنه " ابن مريم " وهنا يسأل الحق عيسى - عليه السلام -: ﴿ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ ونعرف أن السؤال إنما يأتي دائما على وجهين: إما سؤال يعرف به السائل ما كان يجهله فيريد أن يعلمه من المسئول، كقول القائل: أقابلك فلان أمس؟ وإما أن يأتي السؤال لا ليعلم السائل من المسئول، ولكن ليقرر السائل المسئول. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - يسأل التلميذ أستاذه ليتعلم منه وليخبره الأستاذ بعلم جديد وخبر جديد. وأيضا يسأل الأستاذ التلميذ ليقرره بالحقيقة ويوافقه عليها لتستقر لدى التلميذ. وسؤال الله عيسى من النوع الأخير ليكون ذلك حجة على من قال بألوهية عيسى أو بنوته لله. وحاول بعض المستشرقين أن يشككوا في القرآن فقالوا: إن هناك تناقضا في القرآن - والعياذ بالله - واستندوا على ذلك بقول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤٩٧