5.41
نأتي في النداء بحرف الإقبال وهو " يا " وندخله على " المنادى " أي أنك تطلب إقباله. فهل نطلب إقباله لمجرد الإقبال أو لشيء آخر؟ مثال ذلك قول الحق:
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم
[الأنعام: 151] إذن النداء هنا لتلاوة التكليف عليهم. وحين ينادي الحق سبحانه وتعالى أشرف من ناداهم وهم رسله، نجد أنه نادى كل الرسل بمشخصاتهم العلمية. يا آدم، والمشخص العلمي هو الاسم، وهو لا يعطي وصفا إلا تشخيص الذات بدون صفاتها. وكذلك نادى الحق إبراهيم عليه السلام:
يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ
[الصافات: 104-105] وكذلك نادى الحق نوحا:
ينوح اهبط بسلام
[هود: 48] وكذلك نادى الحق موسى عليه السلام:
يموسى إني أنا الله
[القصص: 30] وكذلك نادى الحق عيسى ابن مريم عليه السلام:
يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس
[المائدة: 116] كل الرسل ناداهم الحق بالمشخص العلمي الذي لا يعطي إلا التشخيص، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل ما ناداه الله باسمه أبدا، إنما ناداه الله بالوصف الزائد عن مشخصات الذات فيقول: ﴿ يأيها الرسول ﴾ ، ويقول: ﴿ يأيها النبي ﴾. حقا إن الجميع رسل، ولكنه سبحانه يريد أن يبلغنا أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الرسول الذي جاء ناسخا للكل ومؤمنا بالكل، هو الذي يستحق النداء بالوصف الزائد عن مشخصات الذات: ﴿ يأيها الرسول ﴾. وهو الرسول الذي تقوم عليه الساعة. ولذلك نجد خطاب الحق لرسوله دائما: ﴿ يأيها الرسول ﴾ أو: ﴿ يأيها النبي ﴾ ، وهذا نوع من التكريم. والحق يقول هنا: ﴿ يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾. أي لا تحزن يا رسول الله من الذين يسارعون في الكفر. وحين يخاطب الحق رسوله في ألا يحزن، علينا أن نعرف على ماذا يكون الحزن؟ سبحانه يوضح لرسوله: إياك أن تحزن لأني معك فلن ينالك شر خصومك ولا يمكن أن أختارك رسولا وأخذلك، إنهم لن ينالوا منك شيئا. وقد يكون حزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنا من لون آخر، اسمه الحزن المتسامي الذي قال فيه الحق:
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6] لأن الحق لو شاء أن يجعلهم مؤمنين لما جعل لديهم القدرة على الكفر.
إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين
[الشعراء: 4] وهل الله يريد أعناقا؟ لا. بل يريد قلوبا لأن سيطرة القدرة بإمكانها أن تفعل ما تريد، بدليل أن السماء والأرض والجبال وكل الكائنات أتت للخالق طائعة. فلا يمكن أن يتأبى الكون على خالقه. والقدرة أفادت القهر وأفادت السيطرة والعزة والغلبة في سائر الكون، ولكن الله أحب أن يأتي عبده - وهو السيد - للإيمان مختارا لأن الإيمان الأول هو إيمان القهر والقدرة، ولكن الإيمان الثاني هو إيمان المحبة.
وقد ضربنا من قبل المثل على ذلك ولنوضحه: هب أن عندك خادمين ربطت أحدهما في سلسلة لأنك إن تركته قليلا يهرب، وعندما تريده تجذب السلسلة فيأتي، إنه يأتي لسيطرة قدرتك عليه والقهر منك، أما الخادم الآخر فأنت تتركه حرا ويأتيك من فور النداء. فأيهما أحب إليك؟ لا شك أنك تحب الذي يجيء عن حب لا عن قهر. وكل أجناس الكون مسخرة بالقدرة، وشاء الحق أن يجعل الإنسان مختارا لذلك قال:
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان
[الأحزاب: 72] إذن فقد رفضت كل الأجناس حمل الأمانة. خوفا وإشفاقا من أنها قد لا تستطيع القيام بذلك. والحق يقول لرسوله: ﴿ لا يحزنك ﴾ فأما إذا كان الحزن بسبب الخوف على المنهج منهم، فالحق ينصره ولن يمكنهم منه. وأما إن كان الخوف عليهم فلا لأنه سبحانه خلق الإنسان مختارا غير مقهور على القيام بتعاليم المنهج، وسبحانه يحب أن يعرف من يأتيه حبا وكرامة. ويقول الحق لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾. وهذه ربوبية التعبير، فنحن نعلم أن السرعة تكون إلى الشيء، لا في الشيء كما قال الحق: