5.38
جاء الحق من قبل بعقاب قطاع الطريق والمفسدين في الأرض، وهنا يأتي بقضية أخرى يريد أن يصون بها ثمرة حركة المؤمن في مجتمعه لأن الإيمان يحب من المؤمن أن يتحرك، وحتى يتحرك الإنسان لا بد أن يضمن الإنسان ثمرة حركته. أما إن تحرك الإنسان وجاءت الثمرة ثم جاء من يأخذها فلا بد أن يزهد المتحرك في الحركة، وحين يزهد الإنسان في الحركة يتوقف تقدم الوجود لذلك من حظنا أن تستمر حركة الحياة، ولا تستمر حركة الحياة إلا إذا أمن الإنسان على حركته، وأن تكون حركته فيما شرع الله. وحين يتحرك الإنسان فيما شرع الله ويكسب من حلال فليس لأحد دخل لأن حركة هذا الإنسان تفيد المجتمع سواء أكان ذلك في باله أم لم يكن. وقلنا من قبل: إن الرجل الذي يملك مالا يكتنزه يجد الحق يأمره بأن يستثمر هذا المال لأنه سبحانه أمر بفتح أبواب الخير لمن يجد المال، فيدفع بخاطر بناء عمارة شاهقة في قلب صاحب المال، فيقول الرجل لنفسه: إن المال عندي مكتنز فلأبني لنفسي عمارة، ويزين له الحق هذا الأمر. ويفكر الرجل في أن يبني عمارة من عشرة طوابق وفي كل طابق أربع شقق، وليكن إيجار كل شقة مائة جنيه. وهو حصيلة شهرية لا بأس بها. لقد حسب الرجل المسألة وهو لا يدري أن الله سبحانه وتعالى يقذف في باله الخواطر، فيسرع ليشتري قطعة الأرض. وبعد ذلك يأتي بمن يصمم بنيان العمارة ومن يقوم بالبناء، وتخرج النقود المكتنزة. وهكذا نرى أن الثرى قبل أن ينتفع بعمارته كان غيره قد انتفع بماله حتى أكثر طبقات المجتمع فقرا. ويحدث كل ذلك بمجرد الخاطر. ولكل إنسان خواطره، فالبخيل له من يسرف في ماله، والكريم له من يكتنز من ماله. وإياك أن تظن أن هناك حركة في الوجود خارجة عن إرادة الله. فالحق يقول:
إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا
[آل عمران: 89] وهم يفعلون ذلك لأن الذنوب تطاردهم، فيعوضون ذلك بإصلاح أعمالهم. ولذلك نجد أن الخير إنما يأتي من المسرفين على أنفسهم فيريدون إصلاح أمورهم وليس هناك من يستطيع أن يأخذ شيئا من وراء الله.
إن الحسنات يذهبن السيئات
[هود: 114] كأن الحق سبحانه وتعالى بمجرد الخواطر يدفع الناس إلى ما يريد. نعم. فهو غيب قيوم ولذلك يكون تدبيره في الكون غيبا. وفي قرانا يخصصون يوما للسوق ونرى ساحته في اليوم المخصص ونتأملها فنتعجب من إبداع محرك الكون ففي الصباح يسير رجال إلى السوق ومعهم عصيهم ولا يحملون شيئا. وهؤلاء ذاهبون لشراء ما يحتاجون إليه، وآخرون يسوقون أمامهم العجول أو الحمير، وهؤلاء يذهبون لبيع بضائعهم. ونرى نساء تحمل كل واحدة منهن صنفا من الخضار فنعرف أنهن يذهبن للبيع في السوق.
ونرى أخريات يحملن سلالا فارغة، ونعرف أن كلا منهن ذاهبة للشراء. وفي آخر النهار نرى المسألة معكوسة، من كان يحمل في الصباح شيئا حمله غيره، فمن الذي هيج الخواطر ليذهب من يرغب في البيع إلى السوق ليبيع؟ من الذي حرك الشاري للشراء؟ هو الحق سبحانه يحقق للراغب في البيع أن يوجد المشتري، ويحقق للراغب في الشراء أن يوجد البائع. إنه ترتيب الحي القيوم. ونسمع من يقول: لقد أنزلنا في السوق اليوم عشرين طنا من الطماطم وأربعين طنا من الكوسة. وغيرها من الأطنان. ونجد آخر النهار أن كل شيء قد بيع. إنها خواطر الله المتوازنة في الناس والتي توازن المجتمع. إذن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي حركة المتحرك. ويريد أيضا ألا يقتات الإنسان أو يتمتع بغير مجهود لأن من يسرق إنما يأخذ مجهود غيره. وهذا الفعل يزهد الغير في العمل. إن في الإسلام قاعدة هي: عندما تكثر البطالة يقال لك لا تتصدق على الناس بنقود من ملكك، ولكن افتح أي مشروع ولو لم تكن في حاجة إليه كأن تحفز بئرا وتردمها بعد ذلك وأعط الأجير أجره حتى لا يتعود الإنسان على الكسل، بل يجب تعويده على العمل، ومن لا يقدر على العمل فلا بد له من ضمان. فضمان الإنسان لقوته يكون من عمله أولا، فإن لم يكن قادرا على العمل، فضمانه من أسرته وقرابته، فإن لم توجد له أسرة أو قرابة، فأهل محلته مسئولون عنه، وإن لم يستطع أهل القرية أو المحلة أن يوفروا له ذلك، فبيت المال عليه أن يتكفل بالفقراء. إذن فالأرضية الإيمانية تحثنا على أن نضمن للإنسان العمل، أو نعوله ونقوم بما يحتاج إليه إن كان عاجزا. ولكن الآفة أن بعضا من الناس يحبون عملا بذاته، فهذا يرغب في التوظف في وظيفة لا عمل فيها، ونقول له: في العالم المعاصر أزمة عمالة زائدة فتعلم أي مهارة فما ضنت الحياة أبدا على طالب قوت من عمل. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة حين أقام أول مزاد في الإسلام. عندما جاء له رجل من الأنصار يسأله، فقال له: