تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.56

ونلحظ أن الحق أوضح في الآية السابقة: إن الله هو الولى، وهنا تكون أنت أيها العبد المؤمن من الذين يتولاهم الله، تماما مثل قوله: ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾. وحين يكون الله في معونتك فهو يعطيك من قدرته غير المحدودة فكيف تتولى أنت الله؟ ويكون القول الحاسم في هذا الأمر هو قول الحق:

إن تنصروا الله ينصركم

[محمد: 7]. والحق في الآية التي نحن بصددها جاء بالمقابل لما جاء في الآية السابقة عليها فهو القائل من قبل:

إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا

[المائدة: 55]. وفي هذه الآية يأتي بالمقابل. فيقول سبحانه: ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ﴾ [المائدة: 56]. هذه المقابلة توضح لنا كيف ينصر الله العبد، وكيف ينتصر العبدلله. ولم يقل سبحانه في وصف من يتولى الله ورسوله والذين آمنوا: إنهم الغالبون فقط، ولكنه أورد هذه الغلبة في معنى عام فقال: ﴿ فإن حزب الله هم الغالبون ﴾. وكلمة " حزب " معناها: جماعة التف بعضهم مع بعض على منهج يرون فيه الخير. ولا يمكن أن يجتمع قوم بقوة كل فرد فيهم بفكر كل فرد منهم إلا إذا كان هذا الأمر هو خيرا اجتمعوا عليه، إذن فحزب الله في أي وضع وفي أي تكوين ولأية غاية هو الحزب الغالب. وعلى المستوى الفردي نجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة ".

فما معنى حزبه هنا؟ معناه أمر أتعبه وأرهقه وفكر فيه كثيرا. وبذلك يعلمنا رسول الله ألا نقصر رؤيتنا على رأينا وحده، ولكن لنلجأ إلى الله. فنهزم الأمر الذي يحزبنا ولا نقدر عليه بأن نقيم مع الله حزبا بالصلاة. إننا عندما نأخذ من سنة رسول الله المثل والقدوة نعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يحزبه أمر يتعلق بدنياه وإنما أمر يتعلق بمنهج الله وبالدين لذلك يذهب رسول الله إلى من يعطيه ويعطي أهل الإيمان كل الطاقة. إنه يذهب إلى الصلاة. ويعلن أن أسبابه قد انتهت ولم يعد يقوى على تحمل هذا الأمر الذي حزبه، ولأن الله لا يغلبه شيء لذلك فسبحانه يرفع الهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويغلب كل أمر صعب. وإن حزبنا هذا الأمر في نفوسنا فسنجد العجب. إذن فحين تعز الأسباب على المؤمن في أمر ما ويكون قد أعطى كل جهده وما زال هذا الأمر يحزب المؤمن ويشتد عليه ويرهقه فعلى المؤمن أن يقوم إلى الصلاة، وييسر الحق هذا الأمر للمؤمن بالخير. والمؤمن عندما يحزبه أمر ما إنما يذهب بالصلاة إلى المسبب وهو الله، لكن على المسلم ألا يذهب إلى الله إلا بعد أن يستنفد كل الأسباب، فالأسباب إنما هي يد الله الممدودة، ولا يمكن للمؤمن أن يرفض يد الله ويطلب ذات الله، فإن انتهى الأخذ بالأسباب فليذهب إلى المسبب:

أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفآء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون

[النمل: 62]. وسبحانه الذي يجيب المضطر وهو الذي يكشف السوء وهو الذي جعل البشر خلفاء في الأرض، وسبحانه لا شريك له في ملكه، وهو القائل:

قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون

[النمل: 65]. وإذا قال قائل: ولكني أدعو الله ولا يستجيب لي. ونقول: أنت لم تدع دعوة المضطر لأنك لم تستنفد الأسباب. وعليك أن تستنفد الأسباب كلها. فإن استنفدت الأسباب فالحق يجيبك ما دمت مضطرا. إذن فحزب الله عندما يغلب إنما يعطينا قضية مكونة من " إن المؤكدة واسمها وخبرها " وهذه قضية قرآنية وهي تختلف عن القضية الكونية التي تصف واقع الحياة. ويقول الحق: ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ﴾ [المائدة: 56]. وسبحانه يعلم ما يكون في كونه، ولن تختلف قضية القرآن عن قضية واقع الكون. وساعة تجد قوما تجمعوا وفي صورتهم الرسمية الشكلية أنهم رجال الله، ولا يغلبون فعلينا أن نعرف أنهم خدعوا أنفسهم وخدعوا الناس بأنهم حزب الله وواقع الحال أنهم ليسوا كذلك لأنه سبحانه قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٩٤