تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.102

والحق لم يرسل هذه الآيات رحمة بمن سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنها فقد سأل قوم عن ناقة وعقروها فأبادهم الله. وقوم عيسى عليه السلام سألوا عن مائدة ونزلت عليهم وتوعدهم الحق بعدها إن لم يؤمنوا. وكانت سنة الله مع خلقه إن اقترحوا هم آية ولم يصدقوها فإن الحق يهلكهم أو يعذبهم. ويعطي سبحانه أمة محمد صلى الله عليه وسلم ضمانا.

وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم

[الأنفال: 33]. إذن فالأسئلة التي سألوا عنها لم يجبهم عنها لأنه سبحانه قد عفا عنها. والعفو - كما نعلم - مأخوذ من عفى الأثر أي أذهب الأثر. وعفو الله من مغفرته ورحمته. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ما جعل الله... ﴾.

5.103

وهذه الآية جاءت في السورة التي أحل الله فيها بهيمة الأنعام، وحرم منها ما حرم. فهو سبحانه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يستبقي حياته من قوت، وما يستبقي نوعه بالتزاوج. وإذا كان الحق هو الذي جعل الإنسان خليفة في الأرض فقد أعد له كل هذه المقومات للحياة من قبل آدم عليه السلام، أعد سبحانه لخلقه الأرض والسماء والماء والهواء، ومما ذخر وخبأ وأوجد في الأرض من أقوات لا تنتهي إلى يوم القيامة. ولنا أن نلتفت إلى فارق مهم بين " الخلق " ، وبين " الجعل ". فالخلق شيء، والجعل شيء آخر. والخلق هو إيجاد من عدم. والجعل هو توجيه مخلوق لله إلى مهمته في الحياة. فخلق الله لا يخلقون شيئا، إنما الخلق والإيجاد له سبحانه. وعلينا - نحن الخلق - أن نخصص كل شيء لمهمته في حياته التي أرادها الله، أي أن نترك " الجعل " لله و لا نتدخل فيه، بمعنى أن الخالق سبحانه وتعالى خلق الخنزير - على سبيل المثال - ليأكل من القاذورات وليحمي الإنسان من أمراض وأضرار كثيرة، وعلى الإنسان - إذن - أن يخصص الخنزير لهذه المهمة فلا يحوله إلى غير مهمته كأن يأكله مثلا لأن تحويل مهمة مخلوق لله إلى غير مهمته هو أمر يضر بالإنسان الذي أراده الله سيدا مستخلفا في الكون. وأبلغ سبحانه الناس أنه قد أحل أشياء وحرم أشياء، وعلى الإنسان أن يرضخ لما حلله الله فيقبل عليه، وأن يرضخ بالابتعاد عما حرم الله. والخالق سبحانه وتعالى هو الذي " خلق " وهو الذي " جعل " وهو القائل:

جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس

[المائدة: 97]. وهو القائل:

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور

[الأنعام: 1]. والحق سبحانه وتعالى ينهانا عن أن نجعل له أندادا:

ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون

[البقرة: 21-22]. فسبحانه وتعالى موجود وواحد أحد، فلا يصح أن تجعلوا له أندادا لأن ذلك عبث. ويثبت لنا سبحانه أن قضية الفساد في الأرض تنشأ من تعدي الناس إلى الجعل المخلوق لله فيحولونه إلى غير ما خلقه الله له. والخلق في حياتهم اليومية يحرصون على أن يستخدموا الأشياء فيما هي مخصصة له. ومثال ذلك: أنت تستقبل من صانع الجبن قالبا من جبن. وتستقبل من صانع الصابون قالبا من الصابون، ثم تجيء بالجبن والصابون إلى المنزل، فتخبر أهل البيت بأن الجبن للأكل والصابون للغسيل، ويطيع الجميع هذه التوجيهات.

لكن إن استخدم أحد الصابون للأكل والجبن للغسيل يحدث إفساد في صحة أفراد الأسرة. وكذلك جعل الحق سبحانه وتعالى لنا أبناء من أصلابنا، فكيف نأخذ أبناء من غير أصلابنا لنجعلهم أبناء لنا؟ إن هذا خطأ في الجعل. ولذلك قال الحق:

وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم

[الأحزاب: 4]. إن الدعي هو في حقيقة أمره من غير صلبك، وزوجتك ليست أما له، فكيف تجعله ابنا لك، وتمكنه من أن يجلس في حجر امرأة غير أمه ويشب على ذلك وينظر إلى غير محارمه على أن ذلك حلال ومباح له، إنه بذلك يفقد التمييز بين الحلال والحرام لذلك فالتبني إفساد في الجعل. إن كل فساد ينشأ في الكون حينما نجعل مخلوقا لله في مهمة غير تلك التي جعلها الله له. والحق سبحانه وتعالى يبلغنا أنه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يقيته، وما يحفظ نوعه، فعلينا أن نتبع ما يأمر به الحق من اتباع ما هو حلال، والابتعاد عما هو حرام. وإن قال قائل: ولماذا حرم الله بعض الأشياء التي خلقها؟ ونقول: إن الذي خلقها جعلها لمهمة غير التي يريد الإنسان أن يوجهها له، ومثال ذلك تحريم أكل لحم الخنزير. والإنسان منا إذا ما رأى صورة من معيشة الحيوانات في الغابة. يتعجب، ففضلات حيوان هي غذاء لحيوان آخر. وسم الثعبان هو حماية وعلاج. ونعرف أن الإنسان يستخلص سم الثعبان ليستخرج منه علاجا لبعض الأمراض ولقتل بعض الجراثيم. ولذلك يقول الحق سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤٧٧