والحق خلق الكون على نظام دقيق، ونرى ذلك في الأشياء التي لا دخل للإنسان فيها، ونجدها في منتهى الدقة والاستقامة، الشمس والكواكب والفصول والرياح، لكن الفساد يأتي عندما تدخلت يد البشر بغير منهج الله. إذن فالفساد هو الذي يصرف الناس عن منهج الله. ونجد بعضا من الناس يركبون رءوسهم ويظنون أن ما يفعلونه هو الصلاح، فينطبق عليهم قول الحق:
وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون
[البقرة: 11-12]. هذا هو حكم الحق فيهم.. إنهم يدعون الصلاح، ولكن يجب عليهم أن يرتدعوا فلا يفسدوا. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ولو أن أهل الكتاب... ﴾.
5.65
هذا القول يدل على أن أهل الكتاب جميعا في غير حظيرة الإيمان، والحق يوضح لهم: إن فسادهم كان سابقا على ظهور الإسلام، ولهذا جاء الإسلام ليخرج الناس من فسادكم أنتم. لقد كان لكم منهج من الله ولكنكم حرفتموه، وإن لكم رسلا أرسلهم الله إليكم ولكنكم أسأتم إليهم، وطقوسا دينية ابتدعتموها. وجاء الإسلام لا ليهدي الملاحدة فقط، ولكن ليهدي أيضا الذين أضلهم أرباب أهل الكتاب. وكانوا من بعد الإسلام يحاربون الإسلام بالاستشراق، وكانوا يؤلفون الكتب ليطعنوا الإسلام. لكنهم وجدوا أن الناس تنصرف عنهم لذلك جاءوا بمن يمدح الإسلام ويدس في أثناء المديح ما يفسد به عقيدة المسلمين. إننا نجد بعضا من المؤلفات تتحدث عن عظمة الإسلام تأتي من الغرب، ولكنهم يحاولون الطعن من باب خفي كأن يقولوا: إن محمدا عبقري نادر في تاريخ البشرية ويبنون كل القول على أساس أن ما جاء به محمد هو من باب العبقرية البشرية، لا من باب الرسالة والنبوة. ونجد مثالا على ذلك رجلا أوروبيا يؤلف كتابا عن مائة عظيم في العالم ويضع محمدا صلى الله عليه وسلم على رأسهم جميعا. ونقول له: شكرا: ولكن لماذا لم تؤمن أنت برسالة محمد بن عبد الله؟ إن شهادتهم لنا لا تهمنا في كثير أو في قليل. لقد هاجمونا من قبل بشكل علني. ويحاولون الآن الهجوم علينا بشكل مستتر. وهم أخذوا بعضا من أبناء البلاد الإسلامية ليربوهم في مدارس الغرب وجامعاته من أجل أن يجعلوا من هؤلاء الشباب دعاة لقضاياهم في إفساد المسلمين، ولم ينجحوا إلا مع القليل لذلك نقول لشبابنا: احذروا أن تكونوا المفسدين وتدعوا أنكم المصلحون، فلا تأخذوا المسألة بالطلاء الخارجي ولكن انظروا إلى عمق القضايا، وتذكروا قول الحق:
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
[الكهف: 103-104]. علينا أن نرقب كل فساد في الكون، وسنجد أن لأصابع أعداء الإسلام أثرا واضحا. لقد كان من اجتراء الصهيونية إلى حد الوقاحة أن تقول: ليطمئن شعب الله المختار، فثمانون في المائة من وسائل الإعلام في العالم خاضعة لإرادتنا ولا يمكن أن يعلم فيها إلا ما نحب أن يعلم. والحق سبحانه وتعالى عندما يقول: ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ﴾ [المائدة: 65]. فسبحانه وتعالى بهذه الآية يقدم الفرصة لهؤلاء الناس حتى يدخلوا إلى حظيرة الإيمان ويستغفروا الله عن خطاياهم الماضية وليبدأوا حياة جيدة على نقاء وصفاء بدلا من التحريف والتضليل. وليعرفوا معرفة حقة قوله تعالى في رسوله:
ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء: 107]. هذا القول يجب أن يتهافت إليه غير المسلمين مع المسلمين ليأخذوا من ينبوع الرحمة، وفي ذلك تصفية عقدية شاملة تتيح لكل إنسان أن يبدأ طريق إصلاح نفسه.
وقوله الحق: ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ﴾ إنما يدعوهم إلى الإيمان، والتقوى. والإيمان محله القلب، أي أن يستقر في القلب الاعتقاد بوجود إله أعلى، ونؤمن بالبلاغ عن الإله الأعلى بواسطة الرسل، وأن نؤمن بالرسل وبالمناهج التي جاءوا بها، وأن نتبع هذه المناهج، وأن نؤمن بأن المرجع إلى الله، هذا الإيمان ينعكس على الحركة الإيمانية في الأرض، ويحقق الإيمان مع التقوى اتجاه الإنسان إلى الصالح من العمل. وأن يبتعد عن غير الصالح من العمل اتباعا لقول الحق: