تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى الذين يسيرون في ضوء منهج الله دائما أن يحتفظوا بتلك القضية في بؤرة شعورهم. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة حينما كان في غزوة أحد، وأمر الرماة ألا يبرحوا أماكنهم وإن رأوا المؤمنين في انتصار ورأوا الأعداء في هزيمة. واتجه الرماة إلى الغنائم من فور أن رأوا انتصار المؤمنين، فلم ينصرهم الله وهم على مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وبذلك تعلم المؤمنون الدرس: أن يطيعوا الله والرسول في كل خطوة. ولو أن الله سبحانه لم يقل: ﴿ إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾. فماذا يكون موقف الذين لم يشهدوا نصرا لجند الله، وهم قد دخلوا المعارك الأولى واستشهدوا؟. لقد علموا من البداية أن المرجع إلى الله وأنه سيعطيهم حياة أخرى. وسينبئهم الله بما فعلوا. والإنباء هنا بمعنى الجزاء والتكريم. وكما ساس الحق حياة المؤمن وهو يتحرك في الحياة الدنيا، فإنه سبحانه يسوس حياة المؤمن بما يضمن له الحياة الآخرة في نعيم الخلد والجنة، لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ يا أيها الذين آمنوا... ﴾.

5.106

الحق - سبحانه - كما ساس ودبر حياة المؤمن الدنيوية، دبر وتولى - جل شأنه - حياته الأخروية ليلفته إلى أنه يجب عليه ألا ينظر إلى حياته العاجلة فقط ولكن عليه أن يدبر أمر نفسه فيما يستقبله من أمر الحياة الآخرة، ففي لحظة مواجهة الموت عليه ألا ينسى الوصية إن كان مدينا لأحد أو كان له دين عند أحد. وكذلك إن سافر الإنسان ضربا في الأرض فعليه أن يوصي حتى لا يضيع على ورثته حقا لهم. أو يسدد ما عليه من دين ليبرئ ذمته، وأن يشهد على وصيته اثنين من المسلمين، أما إذا كان الإنسان يصاحب في السفر أناسا غير مسلمين فعليه أيضا أن يشهدهم على الوصية، ولم يترك الحق لنا في هذا الأمر أي عذر، بل لا بد من شهادة اثنين. والشهادة هي الأمر المشهود في الحاضر، ومثال قوله الحق:

فمن شهد منكم الشهر فليصمه

[البقرة: 185]. أي أن الإنسان إذا حضر الشهر وأدركه فليصم، والشهادة تأتي بمعنى الرؤية مثال ذلك قوله تعالى:

الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين

[النور: 2]. أي أن يحضر مشهد الجلد جماعة من المؤمنين. وتأتي الشهادة أيضا بمعنى الحكم:

قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلهآ إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين

[يوسف: 26-27]. إذن فالشهادة تأتي بمعان متعددة. والأصل فيها المشهد، أي الشيء الذي تشاهده. والوصية - كما نعلم - هي إيصاء بأمر يهم الموصي بالنسبة للموصى إليه. والمؤمن يوصي بالخير. ويسمعه من لا يرث، أي الذي ليس له شرعا نصيب في التركة، لكن قد يكون لغير الوارث سبب من أسباب المنفعة مع المورث. وعلى الرغم من ذلك فالسامع للوصية يبرئ ذمته فيبلغ ما سمع إلى الورثة لأن الوصية هي مسألة في نفس الموصي، وقد لا يكون لها حيثية عند من يسمعها أو يتلقاها ولكنها ذات حيثية في نفس الذي يقولها لذلك جعل الله الوصية قبل الدين في قوله الحق:

من بعد وصية يوصين بهآ أو دين

[النساء: 12]. إن ذلك يحدث على الرغم من أن الدين مقدم على الوصية لأن الدين حق والوصية تبرع. ويريد الحق ذلك لأن الدين له مطالب سيطالب به، ولكن الموصي إليه قد لا يكون صاحب حق ولكنه يتلقى تبرعا بالوصية، أو يكون حقه لدى الموصي غير موثق بصك أو شهادة لذلك يقدمه الحق سبحانه وتعالى ليجعلنا نهتم بأمر الوصية. أو يكون الذي وصى بشيء قد عاش في الحياة ويعلم من من الناس أثر في حياته علميا أو أدبيا أو خلقيا أو اجتماعيا لذلك يريد الله سبحانه وتعالى ألا يبارح الإنسان الحياة إلا بعد أن يؤدي المؤمن هذا الحق الأريحي لمن كان له عليه دين في دنياه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤٨٣