تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.16

ومادام الله هو الذي يهدي فسبحانه منزه عن الأهواء المتعلقة بهم، وهكذا نضمن أن الإسلام ليس له هوى. لأن آفة من يشرع أن يذكر نفسه أو ما يحب في ما يشرع، فالمشرع يشترط فيه ألا ينتفع بما يشرع، ولا يوجد هذا الوصف إلا في الله لأنه يشرع للجميع وهو فوق الجميع. ﴿ قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه ﴾ إن من اتبع رضوانه يهديه الله لسبل السلام، إذن ففيه رضوان متبع، وفيه سبل سلام كمكافأة. وهل السلام طرق وسبل؟. نعم لأن هناك سلام نفس مع نفسها، وهناك سلام نفس مع أسرتها، هناك سلام نفس مع جماعتها، هناك سلام نفس مع أمتها وهناك سلام نفس مع العالم، وسلام نفس مع الكون كله، وهناك سلام نفس مع الله، كل هذا يجمع السلام. إذن فسبل السلام متعددة، والسلام مع الله بأن تنزه ربك أيها العبد فلا تعبد معه إلها آخر، ولا تلصق به أحدا آخر.. أي لا تشرك به شيئا، أو لا تقل: لا يوجد إله. ولذلك نجد الإسلام جاء بالوسط حتى في العقيدة جاء بين ناس تقول: لا يوجد إله، وهذا نفي وناس تقول: آلهة متعدة الشر له إله، والخير له إله، والظلمة لها إله، والنور له إله، والهواء له إله، والأرض لها إله!! إن الذين قالوا بالآلهة المتعددة: استندوا على الحس المادي ونسي كل منهم أن الإنسان مكون من مادة وروح، وحين تخرج الروح يصبح الجثمان رمة ولم يسأل أحدهم: نفسه ويقول: أين روحك التي تدير نفسك وجسمك كله هل تراها؟، وأين هي؟. أهي في أنفك أم في أذنك أم في بطنك أين هي؟، وما شكلها؟. وما لونها؟. وما طعمها؟. أنت لم تدركها وهي موجودة. إذن فمخلوق لله فيك لا تدركه فهل في إمكانك أن تدرك خالقه؟. إن هذا هو الضلال. فلو أدرك إله لما صار إلها لأنك إن أدركت شيئا قدرت على تحديده ببصرك، ومادام قد قدرت على تحديده يكون بصرك قد قدر عليه، ولا ينقلب القادر الأعلى مقدورا للأدنى أبدا. وحينما أراد الله أن يذلل على هذه الحكاية قال:

وفي أنفسكم أفلا تبصرون

[الذاريات: 21] انظر في نفسك تجد روحك التي تدير جسدك لا تراها ولا تسمعها ومع ذلك فهي موجودة فيك، فإن تخلت عنك صرت رمة وجيفة، فمخلوق لله فيك لا تقدر أن تدركه، أبعد ذلك تريد أن تدرك من خلق؟ إن هذا كلام ليس له طعم! والاتجاه الآخر يقول بآلهة متعددة لأن هذاالكون واسع، وكل شيء فيه يحتاج إلى إله بمفرده، فيأتي الإسلام بالأمر الحق ويقول: هناك إله واحد لأنه إن كان هناك آلهة متعددة كما تقولون، فيكون هناك مثلا.

إله للشمس وإله للسماء وإله للأرض وإله للماء وإله للهواء، حينئذ يكون كل إله من هذه الآلهة عاجزا عن أن يدير ويقوم على أمر آخر غير ما هو إله وقائم عليه ولنشأ بينهم خلاف وشقاق يوضح ذلك قوله تعالى:

لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض

[المؤمنون: 91] فإله الشمس قد يفصلها عن الكون، وإله الماء قد يمنعه عن بقية الكائنات، ويحسم الحق الأمر فيقول:

قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا

[الإسراء: 42] ويقول سبحانه: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. إذن فالنواميس التي تراها أيضا محكومة بالإله الواحد، ويأتي الرسول ليقول لك: هناك إله واحد، ويبلغنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله، و " لا إله " نفت أنه لا آلهة أبدا. وبعدها قال: إلا الله، وهذه من مصلحة الإنسان حتى لا يكون ذليلا وخاضعا وعبدا لإله الشمس أو لإله الهواء أو لإله الماء. وقال الحق:

ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا

[الزمر: 29] فربنا يريد أن يريحنا من " الخيلة " ، والوهم والاضطراب والتردد.. إنه إله واحد، وعندما يحكم الله حكما فلا أحد يناقضه، وسبحانه يهدينا بما يشرعه لنا لأنه سبحانه ليس له هوى فيما يشرع لأن معنى الهوى أن تجعل الحركة التي تريدها خادمة لك في شيء، والله لا يحتاج إلى أحد لأنه خلق الوجود كله قبل أن يخلق الخلق، وليس لأحد ممن خلق - مهما أوتي من العلم ورجاحة العقل أن تكون له قدرة أو أي دخل في عملية الخلق أو تنظيمه. ﴿ يهدي به الله من اتبع رضوانه ﴾ ، مادام قد اتبع رضوانه فيهديه إلى سبل السلام، إذن فإن هناك هدايتين اثنتين: يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، وقال في آية أخرى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٠٤